كتب عبد الرحمن وليد*

بقدر ما كان للمقاومة الفلسطينية، الشعبية والمسلحة، من وقفات عز وانتفاضات متتالية، لم يملّ أعداء فلسطين، من عرب وغير عرب، من محاولاتهم لتصفية هذه القضية، وإراحة المشروع الصهيوني وأربابه من المقاومة، كلمةً وفعلاً.

ما إن تنتهي مبادرة حتى تبدأ أخرى، وما إن يغيب مؤتمر حتى يظهر آخر، حتى باتت التفاصيل أكثر من الشياطين. وكلّ من يقدم مبادرته للتسوية: الأميركيون والأوروبيون (أخيراً الفرنسيون) والسعوديون والمصريون والأردنيون يبدعون في ابتكار "حلول" تناسب المقاس الإسرائيلي، وكلها تتضمن تنازلات شكلية من الصهاينة، مقابل تنازلات جوهرية على السلطة الفلسطينية تقديمها، تمس القدس أولاً، واللاجئين ثانياً، والأرض ثالثاً، وهلمّ جرّ.

الآن، بات الصهاينة يعيشون حالة من ترف الخيارات، لديهم نسخة معدّلة ومطوّرة من مبادرة الملك عبد الله (بدأها سابقوه من ملوك السعودية) للتسوية التي أطلقت في بيروت عام 2002، ولديهم مبادرة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، من أجل "سلام دافئ" يشمل كل العرب، ولديهم المبادرة الفرنسية التي أطلقت منذ نحو عام ونال منها تعديلات أفرغتها حتى من مضمونها الأول على سوئه.

الآن، بات الصهاينة يعيشون حالةً من ترف الخيارات

 

في المبدأ، فإن الصهاينة "يترفعون" عن كل هذه المبادرات رغم ما فيها من تنازل عن جوهر القضية الفلسطينية، ودعوة إلى التصالح مع قتلة الشعب الفلسطيني، ويرون أنه ليس للسلطة في رام الله أن تشترط أي شيء، كوقف الاستيطان مؤقتاً أو إطلاق سراح عدد محدود من الأسرى، بل يجب عليها أن ترضخ وتستجدي اللقاء دون شروط مسبقة، أي إنه حتى في التطبيع والخيانة يجب أن تكون منقاداً طائعاً لا تفكر في أن ترفع رأسك أمام عدوك.

رغم ذلك، أثمرت بعض الضغوط الأوروبية أن اضطرت "إسرائيل" إلى التعاطي قليلاً مع ما ورد في المبادرة الفرنسية، مقابل ترحيبها بالمبادرة المصرية كأساس جيد لبدء علاقات علنية وأوسع مع العرب، ورفض كامل للصيغة القديمة للمبادرة السعودية. ضمن هذه التوازنات يعمل القادة الصهاينة، ولكن معياراً واحداً يحكمهم، هو أننا لسنا مضطرين إلى تقديم أي تنازل إلى الفلسطينيين ما دام أنه لا قوة تجبرنا على ذلك.

الصهاينة "يترفعون" عن كل هذه المبادرات رغم ما فيها من تنازل عن جوهر القضية الفلسطينية

 

حتى بعض التسهيلات المتعلقة بالحواجز وعبور المواطنين، التي يقدمها العدو بصورة أحادية الجانب، ويحاول بها امتصاص غضب الفلسطينيين، إنما يقدمها من تلقاء نفسه وخدمة لأهدافه، ويرفض أن تظهر كأنها نتيجة جهد للسلطة الفلسطينية أو حتى لدولة عربية. وعند أقرب محطة فاصلة، كالعملية الأخيرة في تل أبيب التي أودت بأربعة من الصهاينة، سارع العدو إلى وقف هذه التسهيلات الخادعة.

أيا يكن، ما دام العرب يسارعون ليل نهار إلى خطب ود العدو، وما دام أن السلطة الفلسطينية تجمع سلاح المقاومين وتعتقلهم وتمنع كل محاولة للمقاومة الحقيقية، وما دامت الفصائل الفلسطينية محصورة في غزة وعاجزة عن رد الفعل في الضفة وهي على خلاف حقيقي وكبير مع السلطة، وما دامت حركة "فتح" مخطوفة لدى من يؤمنون بالتسوية وبالتطبيع، فإنه لا شيء واحداً يضغط على العدو من أجل أن يعقد اتفاقاً جديداً يلزم نفسه فيه بشيء.

ما دام العرب يسارعون ليل نهار إلى خطب ود العدو... فإنه لا شيء واحداً يضغط على العدو من أجل أن يعقد اتفاقاً جديداً يلزم نفسه فيه بشيء

 

إذا استمر الوضع كذلك، رغم الهدوء الحالي في القدس المحتلة، ورغم حالة التهدئة الميدانية في غزة، فإن كل ما يجري هو تضييع للوقت، وكسب فرصة أخرى للسلطة كي توجد مبررات لوجودها، فيما المستفيد الوحيد هو العدو، الذي يكسب تحالفات جديدة مع من يسميهم "عرب الاعتدال"، وهؤلاء حتماً خلعوا عن أنفسهم أمانة القدس، بل يغلقون طريق الوصول إليها في وجه شعوبهم، ويخوضون بالنيابة عن الصهاينة حروبهم في المنطقة.

 

*كاتب وصحفي فلسطيني يكتب في صحف عربية معروفة مثل الأخبار اللبنانية.