على الرغم من مرضه وتقدمه في السن إلا أنه آثر المجيء إلى طهران وتلبية دعوة الجمهورية الإسلامية من خلال مشاركته في المؤتمر الدولي السادس لدعم الإنتفاضة الفلسطينية، لم تعييه السنين ولم تتمكن كل الضغوطات والمصاعب من تغيير أولوياته، الهدف لديه واضح ومحدد فلسطين كاملة وليس شيء سواها. أحمد جبريل والذي قدّم ولده محمد جهاد على مذبح فلسطين حيث اغتاله الكيان الصهيوني في بيروت عام 2002، يحتفظ لنفسه أنه مبدع العمليات الاستشهادية ضد الكيان الصهيوني في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حيث كانت الحركة الشعبية القيادة العامة التي أسسها أول من قامت بهذا النوع من العمليات عندما قام ثلاثة شبان من أفرادها بمهاجمة مستوطنة كريات شمونة في شمال فلسطين المحتلة وتفجير أنفسهم ضمن المحتلين مما خلّف عدداً كبيراً من القتلى والجرحى في صفوفهم.

لا يملُّ المتحدث مع المناضل أحمد جبريل الاستماع له بما لدى هذا الرجل من تاريخ نضالي كبير، يحدثنا بلسان الواثق من النصر ويترك فينا أملاً كبيراً أن المستقبل لنا والزوال مصير المحتلين. نترككم مع النص الكامل للمقابلة التي أجراها الموقع الرسمي لسماحة الإمام الخامنئي مع المناضل الكبير أحمد جبريل:

 

سؤالي الأول لحضرتكم خلال الكلمة التي ألقاها الإمام الخامنئي أثناء افتتاحه المؤتمر الدولي السادس لدعم الانتفاضة الفلسطينية أشار سماحته إلى أهمية الانتفاضة الثالثة ومظلوميتها برأيكم ما أهمية هذه الانتفاضة؟ وماذا تتوقعون لها أن تحمل من نتائج؟

الانتفاضات هي أسلوب من أساليب مواجهة العدو، لكن هي أسلوب تحريضي للشعب؛ توقع خسائر في العدو وتوقع خسائر في الصديق وفي الشعب، لكنها أداة تحريضية للتأكيد على العداء مع العدو. أنت تعلم أن هناك اتجاهات فلسطينية حاولت في الماضي ولا تزال حتى الآن تعمل تآخي، حتى أن منهم كانوا على مستوى قيادات يقولون للإسرائيليين "أنتم أولاد عمنا" كانوا يذهبون إلى هرتيليا ويلتقون مع بعضهم البعض. لذلك هذه الانتفاضة الأولى والثانية والانتفاضة الثالثة الحالية قد تنجح وقد لا تنجح ولكنها أسلوب من أساليب المواجهة، لكن هذا الأسلوب إذا لم نقم بتصعيده بأسلوب الكفاح المسلح هذا العدو الإسرائيلي لن يرتدع. هذه الانتفاضة قد تعطيك موقف سياسي دولي إنساني أخلاقي إلى آخره، لكن هذا العمل العسكري والقتالي ضد العدو الإسرائيلي هذا يفكك المجتمع الإسرائيلي وعندما يموتون يعني هذه الحروب التي حصلت في 2006 والتي حصلت في غزة وحتى حرب تشرين هزت هذا الكيان الصهيوني من جذوره؛ ولذلك نحن نطمح أن تكون هذه الانتفاضات بداية لشيء أكبر وهو العمل القتالي ضد العدو الإسرائيلي.

نحن نطمح أن تكون هذه الانتفاضات بداية لشيء أكبر وهو العمل القتالي ضد العدو الإسرائيلي

لأن بعض الأطراف الفلسطينية المستسلمة تقول لك هذه الانتفاضة انتفاضة حجر ونعتبرها نوع من أنواع العمل الشعبي ضد العدو، يعني لديهم القدرة على الاحتيال، قيمتنا نحن كيف نستفيد من هذه الانتفاضات لتصعيد الاشتباك مع العدو، لكن هذا الاشتباك مع العدو الإسرائيلي لا تظن في يوم من الأيام أن الشعب الفلسطيني قادر على حسم هذه المعركة مع العدو الإسرائيلي إلا إذا وجد محوراً اسمه محور المقاومة من طهران وإن شاء الله بغداد، دمشق، حزب الله والفلسطينيين الشرفاء، في هذه الحالة يختل التوازن السياسي الآن الكفة تميل لصالحهم ولكن عندما يوجد هكذا محور فستكون هناك تغييرات كبيرة جداً. العدو الإسرائيلي –ونحن لم نقم بتشكيل هذا المحور بعد- تفيد مراكز الدراسات لديهم أنهم يرتعدون خوفاً ويتساءلون ما هو مستقبلنا؟ وترى الإسرائيلي حاملاً في جيبه جواز سفر لجنسية أخرى أمريكية وبريطانية وغيرها وسوف يسافر.

كيف يمكن أن نُرجع فلسطين لتعود محوراً لوحدة العالمين العربي والإسلامي؟ هناك مجموعة من العوائق تحول دون ذلك كيف يمكن لنا تجاوزها؟

عندما نحقق انتصارات ميدانية فعلية على الأرض وفي الميدان كل هذه المناورات تتقلص وتتراجع، أما إذا بقينا متقاعسين قضية فلسطين أصبح عمرها مئة سنة منذ وعد بلفور وحوالي سبعين عام مضت على إنشاء هذا الكيان. أنا لم أقصد أن أرى الجيوش العربية كلها داخلة إلى فلسطين، وأصلاً لا ينبغي علينا أن نقاتل بهذه الطريقة.

النضال والقتال يقسم الوطن العربي إلى قسمين؛ قسم يصبح على المكشوف حليفاً لإسرائيل ولأمريكا، وقسم آخر هو يلتحق بمحور المقاومة

 يجب أن نرى في هذه الحرب الشعبية الفلسطيني وسلاحه والإيراني والسوري والعراقي يأتون بعشرات الألوف وندخل إلى فلسطين ونغير هذا الواقع عسكرياً، عندها يبدأ الخلل في ميزان القوى لمصلحتنا، أما أن نقول أن قضية فلسطين هي التي سوف توحد، النضال والقتال يقسم الوطن العربي إلى قسمين؛ قسم يصبح على المكشوف حليفاً لإسرائيل ولأمريكا، وقسم آخر هو يلتحق بمحور المقاومة، لا يستطيع أي نظام عربي إلا أن يكون إما في هذا المحور أو في ذاك المحور، ولكن أين الهدف؟ الهدف هو فلسطين، والقائد عندما يقول فلسطين يعني تحرير فلسطين، تحرير فلسطين لا يأتي من غزة ولا يأتي من رام الله، يأتي من هذه القوى الخارجية التي جاءت وقالت للفلسطينيين تعالوا وضعوا أيديكم في أيدي بعضكم كي ننهي هذا الوجود هكذا سيتم تحرير فلسطين.

 

شهر مضى على استلام الرئيس الأمريكي الجديد ترامب مقاليد الحكم في الولايات المتحدة، تصريحات أمريكية ترددت حول عزم الرئيس الجديد نقل سفارة واشنطن من تل أبيب إلى القدس، كما أن ترامب نفسه تكلم عن استحالة إجراء حل الدولتين، الشيء الذي اعتبره البعض تراجع واشنطن عن إصرارها السابق على إنشاء دولتين إسرائيلية وفلسطينية. كيف ستكون السياسة الأمريكية الجديدة تجاه القضية الفلسطينية؟ وماذا يعني نقل واشنطن سفارتها من تل أبيب إلى القدس؟

لكي لا نبالغ كثيراً بهذه التصريحات، أو يرتعب الناس منها ويقولون هذه أمريكا، في الحقيقة أمريكا الآن ليست هي الأسد الغضنفر الذي كان من بعد الحرب العالمية الثانية، لا ... الآن هذا الأسد أنيابه وأظافره مكسورة وهو في مأزق، ترامب لديه مشكلة داخلية كبيرة للغاية، مشكلة اقتصادية، مشكلة طبقية، لديه مشاكله في الحدود مع كندا والمكسيك، لديه مشاكله مع أوروبا، لديه مشاكل اقتصادية كبيرة جداً مع الصين؛ الصين تملك سندات في الخزانة الأمريكية بقيمة 2 تريليون دولار، يعني إذا قامت بسحبهم سوف ينهار الاقتصاد الأمريكي، ترامب يطلق بالونات وإذا تلاحظ هذه البالونات تكون متناقضة أحياناً، حتى الآن لم يستقروا في الموضوع السياسي، لذلك حاول نتانياهو أن يكون أول رئيس يلتقي فيه حتى يتمكن من توجيه فكره باتجاه خطورة المنطقة وإيران وخطرها كونها هي الداعمة للعراق؛ يعني يا أمريكان سوف تخسرون العراق وكونها هي الداعمة لسورية أيضاً. معنى ذلك أنه ثمة جبهة كبيرة من بغداد إلى دمشق إلى طهران وبهذا سيتغير ميزان القوى في المنطقة وعندها سوف تصبح أمريكا ضعيفة. الآن أمريكا ليست هي أمريكا التي يفترض أن نخاف منها، الآن هناك ولايات أمريكية مثل كاليفورنيا وفلوريدا واحدة في الشرق والأخرى في الغرب تطالب بالاستقلال والانفصال عن الولايات المتحدة الأم ولذلك هناك مزيد من الحسابات.

الجمهورية الإسلامية في إيران واجهت أمريكا وهي في عز عنفوانها وقوتها، كانت حينها أمريكا قوية وأمريكا دخلت العراق وخلال ثلاثة أيام كانت في الموصل وسقط صدام وكان عنده أكبر جيش وانتهى

إن الجمهورية الإسلامية في إيران واجهت أمريكا وهي في عز عنفوانها وقوتها، كانت حينها أمريكا قوية وأمريكا دخلت العراق وخلال ثلاثة أيام كانت في الموصل وسقط صدام وكان عنده أكبر جيش وانتهى. لم تخف الجمهورية الإسلامية في إيران وكانت تشعر أن لديها جبهة في الغرب هي أمريكا ولديها جبهة في الشمال الشرقي وهي أفغانستان وهناك الأمريكان كانوا موجودين ولديها أيضاً جبهة في الشرق وهي باكستان ومشكلة البلوتش وتلك المواضيع التي يحاولون من خلالها إثارة المشاكل المذهبية كشيعة وسنة وغير ذلك. الآن إيران خرجت من مرحلة الخوف وأصبحت الآن في مرحلة التخويف؛ الآن الإسرائيليون يحسبون حساباتهم والأمريكيون يحسبون حساباتهم من إيران والأتراك يحسبون حساباتهم، وحتى موضوع تراجع الأمريكان في موضوع الاتفاق النووي، المهم أن قرار مجلس الأمن قد تكسر ودول أوروبا الآن والتي تعاني من وضع اقتصادي حاد، وبريطانيا تخرج من الاتحاد الأوروبي ومن الممكن أن تلحق بها دول أخرى وتخرج هي الأخرى ومن الممكن أن تتقسم بريطانيا إلى قسمين اسكتلندا وايرلندا، هناك وضع في أوروبا مزري للغاية بمعنى أو آخر أنا أعتقد أن المستقبل إن شاء الله لنا ولهذا المحور الذي نحن فيه وهذه هي رؤيتنا الاستراتيجية بهذه الطريقة تعود فلسطين، بغير ذلك لن تعود فلسطين.

سؤالي الأخير لكم أستاذ أحمد جبريل كيف يمكن للفصائل الفلسطينية استعادة الوحدة الداخلية الفلسطينية والتي تعتبر عاملاً مهماً جداً لمواصلة النضال؟

هناك في فلسطين فريقين؛ هناك فريق فلسطيني ومنذ أربعين عاماً يركب قطار ويراهن على التسويات والمفاوضات وإلى أخره وهو يسير نحو السراب ولم يقطع الأمل، رغم نقاشاتنا المستمرة معه ورغم مشاهداته على الأرض كيف امتلأت الضفة الغربية بالمستوطنات وسُرقت المياه وقُطعت الأشجار وهُدمت البيوت وبُني الجدار العازل وهُوِّدت القدس لكن للأسف هذا الفريق لا يزال يؤمن أنه لم يُغلق باب المفاوضات، هل تريد منا أن نذهب ونركب قطارهم؟! لا نحن لنا طريقنا المعاكس 180 درجة وهم لا يستطيعون المجيء إلينا وإلا تمزقوا إرباً إرباً، أما من يسير عكسهم 180 درجة فهؤلاء ينقصهم المزيد من العلاقات الوحدوية بين بعضهم البعض. خلال الست سنوات التي مضت تأزم الوضع بين بعضنا البعض نحن من نقف ضد التسوية؛ بسبب الأحداث التي تمت في سورية أو في اليمن أو في البحرين أو في العراق. نحن لسنا يائسين وعندما يتحدث القائد عن الوحدة نحن إذا عدنا ورتبنا صفوفنا داخل هذه القوى سنصل لهذه الوحدة إن شاء الله.

في نهاية هذا اللقاء أتقدم بإسمي وبإسم الموقع الرسمي لسماحة الإمام الخامنئي بجزيل الشكر للمناضل الأستاذ أحمد جبريل مؤسس والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) على ما خصصه لنا من وقته لإجراء هذه المقابلة ونسأل الله تعالى له دوام الصحة والعافية والنصر.