الخطابات

كلمة الإمام الخامنئي في مسؤولي السلطة القضائية

بسم الله الرحمن الرحيم نرحب بجميع الحضور المحترمين خصوصاً الشخصيات البارزة في المجالين العلمي والعملي في السلطة القضائية، ونسأل العون لكل الذين بذلوا جهودهم بإخلاص في سبيل تمتين بنية هذه السلطة وإنصافها، لا سيما الرئيس المحترم لهذه السلطة الحساسة والذي يعد والحمد لله شخصية علمية وفكرية وعملية جامعة ومجتهداً ومستنيراً ورجلاً ناشطاً حسن الأفكار، وهذه من النعم الإلهية الكبيرة علينا. كما نحيّي ذكرى شهداء السابع من تير الأبرار خصوصاً الشهيد المظلوم المرحوم السيد بهشتي رضوان الله عليه والذي كان عنصراً قوياً صلباً وراية خفاقة في مسيرة الثورة، لن تنسى شخصيته وسماته المميزة وخدماته الباقية للنظام الإسلامي والبلاد.أذكر نقطة حول واقعة السابع من تير المهمة ربما كانت أبرز من كل النقاط العديدة لهذه الحادثة، فقد دلت هذه الحادثة على أن ضربات فظيعة من هذا العيار تبقى بدورها عاجزة عن ضعضعة الصرح المتين للجمهورية الإسلامية القائم على إيمان الشعب وتواجده في الساحة. لم تكن هذه الحادثة حادثة صغيرة. إنها حادثة تكفي لإنهيار نظام الحكم في أي بلد تقع فيه. أن تقتل كل هذه الشخصيات المؤثرة المهمة المفكرة المجاهدة على يد المجرمين الإرهابيين في لحظة واحدة ويصمد النظام لهذه الضربة بل يجعل منها وسيلة لتمتين بنيته أكثر، فهذا شيء مذهل باهر. لقد كان هذا بفضل تواجد الشعب وإيمانه وببركة المتانة الداخلية لبنية النظام الإسلامي، وسيكون الأمر كذلك في المستقبل أيضاً بفضل الله.أذكر نقاطاً حول السلطة القضائية أولها أن أهمية هذه السلطة تكمن في تواصل مهماتها بقوة وحسم وثقة بالنفس وبمراعاة الضوابط والمعايير المقررة. يمنّ الله تعالى بالنجاح على المنظومة التي تعمل للوصول إلى الأهداف إنطلاقاً من إيمانها بعملها وطريقها وباستخدام الأساليب الصحيحة المنطقية. هذه سنة لا تخلّف فيها، ومنها نجمت جميع نجاحاتكم في الأعوام الأخيرة والتي أشار سماحة السيد شاهرودي إلى كثير منها. إذا صرفنا النظر عن الدوافع السياسية المغرضة، لكان هناك أشخاص غير راضين عن واقع السلطة القضائية حتى في الحالة العادية، فهذه هي طبيعة القضاء، وإذا تدخلت الدوافع المغرضة المختلفة فسوف تتفاقم هذه الحالة. في مثل هذه الظروف والأوضاع التي تطرأ على المؤسسة القضائية سيكون الدرس الكبير أن تواصل هذه المؤسسة طريقها نحو الأهداف السامية بثقة بنفس وطلب العون من الله تعالى، والتصحيح الدائم لأدائها، وتفادي الأخطاء والإشكالات، وأن تعلم أن في هذا صلاح دنياها وآخرتها. فهذا ما سيرضي الله وما سيلفت قلوب الشعب وأفكارهم إلى أحقية المؤسسة القضائية » وكفى بالله حسيباً «. الله هو المحاسب والحكم الحقيقي فيما يتصل بأعمال الإنسان وسلوكه، وهذا يكفي.لاحظوا أن الله تعالى عرّض حبيبه الرسول الأكرم الأعظم لامتحان صعب، وقد كان الشيء الأكثر عرضة للخطر في تلك الحادثة هو ماء وجه الرسول وسمعته. الحادثة المذكورة في سورة الأحزاب: » وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتّق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه «. في هذه الحادثة ربما كانت الآراء والعواطف العامة ستثور ضد الرسول، فالموقف موقف تهمة » وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه «. يقول الله لرسوله إنك تخشى من كلام هذا وذاك من الناس والحال أن الله أولى أن تخشاه، وقد خشي الرسول ربه واجتاز هذا الامتحان الكبير والصعب جداً بنجاح. وهنا ترد هذه الآية المزلزلة: » الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله «. هذا هو شرط تبليغ الرسالات الإلهية. يضعون مجموعةً من الناس في وجه الإنسان نتيجة الخطأ أو سوء الفهم أو الدعايات العدوانية المغرضة، وسبيل المواجهة هنا هو أن لا يتخذ الإنسان لنفسه أي معيار سوى الحساب الإلهي. لذلك يقول عزوجل في نهاية هذه الآية » وكفى بالله حسيباً «.. الله هو الحكم الحسيب وهو الذي سيحكم علينا أنا وأنتم هل سرنا في هذا الطريق بصورة صحيحة أم لا. إذا كان هذا هو قول الله فستكون ميزة السير على المنهج الإلهي أن الله تعالى يتكفّل إصلاح آراء الناس وتعديلها: » من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس «. الله تعالى هو الذي سيتولى هذا الجزء من القضية، كما تولّاها في قضية الرسول إلى أن اتضحت الحقيقة.وقد كان هذا هو الامتحان الأكبر الذي تعرض له شهيدنا العزيز المرحوم بهشتي. ما وجهته الأيدي الدعائية المعادية من تهم وإهانات عدوانية حاقدة لهذا السيد الجليل النيّر البارز في تلك الفترة قلما وجهّته لأحد من شخصيات الثورة على مر السنوات.. قالوا عنه حصري، ومتكبر، وطالب سلطة، ودكتاتوري، لكنه سار في دربه بقوة واقتدار. وضحّى بنفسه طبعاً. لكنه في الحقيقة ارتفع بروحه وحقيقته وهويته إلى العرش الأعلى بصبره هذا على الطريق. كل هذه دروس لنا. وصيتنا الأولى للسلطة القضائية المهمة والمؤثرة جداً هي أن تختار الهدف بشكل صحيح.. لتختار الطريق طبقاً للموازين، وتسير في ذلك الطريق وتتقدم بقوة وبثقة بالذات واتكال على الله، ولا تهتم لثلّة تثير الأجواء وتسيئ وتؤذي وتطلق أحكاماً غير منصفة. الله تعالى سيصلح هؤلاء. هذه هي المهمة الأساسية التي يجب على السلطة القضائية - التي حققت نجاحات كثيرة والحمد لله - أن تأخذها بعين الاعتبار وتتقدم فيها مواصلةً لهذا الطريق ووصولاً إلى قمة القضاء الإسلامي. وطبعاً أضيف هنا أن عرض الحقيقة وإطلاع الرأي العام أيضاً عملية مهمة. هذا أيضاً مما يجب أن لا يُنسى. ينبغي عدم ترك الجماهير في لجج الغموض. في قضية النبي المكرم عليه وعلى آله آلاف التحية والثناء أطلع الله تعالى الناس عن طريق هذه الآية، بمعنى أنه صرّح بحقيقة القضية وأفهم الناس أن هذه الخطوة الخطيرة والمثيرة لسوء ظن الرأي العام بشدة والتي حصلت للرسول، إنما كانت من أجل هدم تقليد خاطئ في المجتمع بشكل عملي » ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له «. لقد أوجب الله عليه أن يفعل هذا كي يقضي على تقليد خاطئ يعتبر المُتبنّى كالإبن الحقيقي مما يستتبع مشكلات عديدة في النظام الاجتماعي وقتئذ. ولأجل هذا قدّم الله النبي إلى الساحة قرباناً للحقيقة، لكنه دافع عنه وأطلع الناس وبيّن لهم. إذن، يجب أن نعمل ونبادر ولكن علينا في الوقت نفسه عرض الحقيقة على الناس. من دون عرض الحقيقة سيبقى الرأي العام في الظلمات والضباب وسيُسيئ العدو استغلال ذلك.النقطة الثانية هي أن النظام الإسلامي وأي نظام آخر يحتاج إلى سلطة قضائية تكون قوية وموضع ثقة. هذان الركنان ضروريان إلى جانب بعضهما. أن يكون الإنسان موضع ثقة ليس معناه أن يحد من قوة اليد التي تضمن تطبيق القوانين من أجل وجاهته بين الناس.المبرر الأساس للسلطة القضائية هو الحفاظ على القانون. الحمد لله أن جميع المسؤولين في بلادنا اليوم ينادون باتباع القانون. هذه حالة جد إيجابية. الحفاظ على القانون ومراعاته. كيف يضمن حفظ القانون ومراعاته؟ ثمة سبيل لضمان ذلك وهو قوة السلطة القضائية واقتدارها. ليعلم الذين يشنون هجماتهم ضد نقاط قوة السلطة القضائية أنهم يساعدون على انعدام القانون والفوضى وتضييع حقوق الضعفاء. فالسلطة القضائية الذراع والقبضة القوية للنظام، القبضة التي تمسك بتلابيب المعتدي ومنتهك القانون وتلزمه حدوده حتى يستطيع الناس العيش في ظل القانون. إذن، اقتدار السلطة القضائية مبدأ، ولكن ينبغي أن يكون هذا الاقتدار بحيث يستجلب ثقة الجماهير، وهذا متاح بهذه الإصلاحات المطروحة في السلطة القضائية والتي ينبغي متابعتها بكل حماس.الأعمال التي أشاروا إليها مهمة جداً. أضف إلى ذلك بسط العدالة في كل أجهزة السلطة القضائية حتى المستويات الدنيا في كافة أنحاء البلاد. أية محكمة في أي منطقة من البلاد تعد مرجعاً لمجموعة من أبناء الشعب - حتى لو كانت جماعة قليلة العدد - ينبغي أن تعمل بشكل يستدعي تفاؤل الناس وثقتهم بها. أي يجب أن يطمئن الجميع أن هذه الخلية القضائية الموجودة هنا ستحكم طبقاً للقانون والعدل. من الطبيعي أن يفرح غالبية الناس - وغالبيتهم أخيار صالحون - لهذا وتطمئن له قلوبهم. وسوف تقلق الأقلية وهم المعتدون واللاأباليون والمتطاولون على حقوق الآخرين. هذا القلق نعمة كبيرة. ليعلموا أن هذه القبضة القوية كفوءة وفاعلة في هذه الناحية من البلاد أيضاً. هذا هو شرط ثقة الناس بالسلطة القضائية. ذكرت للأصدقاء والإخوة مراراً أنه يجب عدم الإغضاء عن المخالفة القضائية حتى في منطقة نائية معزولة من البلاد، فهذه النواحي المنتشرة في كل أرجاء البلاد تمثل جسداً واحداً يتصل بالشعب. الشعب مرتبط بهؤلاء وقريب منه. الحكم عليها سوف يعمّ ويشمل كل السلطة القضائية. أحياناً ترون قاضياً أو موظفاً قضائياً في ناحية من أنحاء البلاد يتصرف لا سمح الله بنحو يغيّر به تصورات جماعة من الشعب حول السلطة القضائية كلها فيهدر كل هذه الجهود والخدمات والمساعي القيمة. إذن، اقتدار السلطة القضائية مبدأ وكذلك سمعتها وثقة الناس بها. ينبغي العمل بشكل يحفظ تفاؤل الناس وأملهم.النقطة الأخرى المهمة أيضاً برأيي وقد أنجزت فيما يتعلق بها أعمال جيدة والحمد لله، وقد كنت على علم بذلك وذكروه الآن أيضاً هو المشروع العام لسلطة قضائية إسلامية مائة بالمائة، وعادلة، ومطابقة للتطورات التقنية والعلمية المتوفرة في العالم - المشروع العام للسلطة القضائية الذي تم إعداده - ينبغي التركيز على هذا المشروع كثيراً. العمل القضائي عمل تخصصي محض. الذين يخوضون في مجال التخطيط للسلطة القضائية يجب أن يتمتعوا بالعلم والتجربة والفطنة اللازمة. يجب أن يكونوا علماء بالحقوق والقانون، وبالفقه الإسلامي، وعلى معرفة بالسلطة القضائية، وأن يتوفروا على تقييم جيد للواقع الحالي ونقاط قوته وضعفه، وأن يعرفوا حاجات المجتمع بصورة صحيحة، ويكونوا كذلك على اطلاع بآراء المختصين في الحوزات والجامعات حول قضايا السلطة القضائية لا سيما القضايا الشاملة العامة منها. يجب التخطيط لهذا المشروع لمنظومة عامة على هذا الأساس. هذه هي الوظيفة الأهم في السلطة القضائية. إذا تم إنجاز هذه المهمة بنحو جيد ورصين بفضل من الله تعالى سيكون واضحاً للسلطة القضائية ما ينبغي أن تفعله إلى سنوات طويلة؛ ما هي الأقسام التي ينبغي أن تستحدثها، وما هي الأقسام التي ينبغي أن ترمّمها، وما هي الأقسام التي ينبغي أن تصلحها. خيرة المختصين في هذه المجالات يجب أن يكونوا على رأس هذا المشروع ويطرحوا آراءهم حوله.من المسائل المهمة جداً كذلك مسألة الأمن القضائي حيث يجب أن يشعر الناس بالأمن في تعاطيهم مع الجهاز القضائي ومراجعته. وهذا ما يستدعي نظرةً جد دقيقة وحساسة وفاحصة داخل السلطة القضائية. الحمد لله أن لدينا في السلطة القضائية الكثير من القضاة النزيهين، الشرفاء، العلماء، المتمكنين من عملهم، وأصحاب الضمائر الحية. والحمد لله أن الهيكلية العامة للسلطة القضائية جيدة جداً، ولكن في أية منظومة يجب أن يخشى الإنسان من تأثير أشخاص ضعفاء المعدن والعقيدة والأعمال. ينبغي عدم غض الطرف عن هذا الاحتمال. العيون الباحثة للمسؤولين رفيعي المستوى في السلطة القضائية يجب أن تتحرك وتبحث دوماً داخل هذه السلطة كما تفعل الكاميرات التي تريد استكشاف منطقة معينة بالأضواء القوية. عندئذ يتوفر الأمن القضائي بالمعنى الواقعي للكلمة. وإذا توفر الأمن القضائي سيتوفر تبعاً له الأمن السياسي، والأمن الاجتماعي، والأمن الاقتصادي، والأمن الأخلاقي، والأمن الثقافي. تلاحظون أن الأعداء يستهدفون أمننا الاجتماعي والمدني. هذا ما يراه الجميع أمام أعينهم بكل وضوح. الأعداء الذين يعارضون الجمهورية الإسلامية من الأساس وجدوا اليوم أن أفضل سبيل لممارسة عدائهم ومعارضتهم هو تهديد أمن البلاد. فضلاً عن الأمن الأخلاقي والثقافي الذي يعمل العدو بقوة منذ سنوات لتهديده - وقد ذكّرنا المسؤولين مراراً وحذرناهم من الغزو الثقافي للعدو - وفضلاً عن الأمن السياسي حيث يروم العدو الإخلال في الحركة السياسية العامة للنظام، فضلاً عن كل هذا يريد العدو اليوم القضاء على الأمن الاجتماعي والمدني لشعبنا.نحن من البلدان التي تتمتع بتوفيق من الله بأعلى درجات الأمن الاجتماعي والمدني. منذ سنوات وأبناء الشعب يعيشون بهدوء وتضامن وأمن. والأعداء يريدون القضاء على هذه الحالة. يريدون أن لا يأمن الإنسان في المجتمع على ماله وأولاده وشبابه ودراسته ومواصلته الطريق نحو أهدافه المنشودة. هذه تحديداً هي الخطة التي وضعوها بداية الثورة كي يقضوا على الأمن. في ذلك اليوم أيضاً جعلوا أمن المجتمع هدفهم الرئيس. يومئذ أيضاً قالوا: ليس هناك حرية، وأرادوا بذريعة المطالبة بالحرية الكاذبة، زعزعة الأمن الذي آل إلى الاستقرار تدريجياً. لكن النظام انتصر على تحركات الأعداء هذه. اليوم أيضاً يتذرعون بذرائع المطالبة بالحريات المدنية الكاذبة المزيفة لينسفوا الأمن المدني والاجتماعي، وسوف لن يفلحوا أيضاً. لا زال العدو ضعيفاً وجباناً جداً مقابل إرادة الشعب الإيراني وإيمانه وصموده. لقد جرب العدو هذا مراراً، وسيجربه أيضاً، كي يخلقوا مشاكل لبعض الناس بالتالي. الجهاز القضائي من الأجهزة التي بوسعها ممارسة دور في هذا الخضم. طبعاً للأجهزة التنفيذية والسياسية في البلاد أيضاً أدوار مهمة وفعالة، والحمد لله الجميع متفطنون اليوم لمسؤولياتهم في هذا المجال. وللجهاز القضائي أيضاً دور مهم جداً وهذا ما سوف يتم تأمينه إن شاء الله بالنظر للأمن القضائي للجماهير وبمراعاة آداب القضاء في الإسلام والحفاظ على حقوق الناس في كافة مراحل القضاء.نتمنى أن يعينكم الله تعالى ويهدينا جميعاً لما يرضيه ولما فيه صراطه المستقيم، وأن يُرضي القلب المقدس للإمام المهدي (أرواحنا فداه) عنكم جميعاً، وأن نشهد إن شاء الله تقدمكم المضطرد في مهماتكم في هذه المجالات الحساسة والهامة جداً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.  

موكب الشرفاء