بسم الله الرحمن الرحيم
مرحباً بكم كثيراً أيها السادة العلماء و الأساتذة المحترمون. إنه اجتماع جد طيب. أذكر بعض النقاط، و إذا كان للسادة إفاداتهم فأنا على استعداد للاستفادة منها.
هذا العمل و تكريم ذكرى المرحوم الشهيد آية الله مطهري ( رضوان الله تعالى عليه ) هو بلا شك من حسنات مؤسسة الإذاعة و التلفزيون. إن له حقاً كبيراً، و هذا المشروع جزء من عرفان حقه الذي يعدُّ واجبنا جميعاً. طبعاً تتضمن الملتقيات و مراسم التكريم التي تقام على هذا النحو بحوثاً جانبية مفيدة - بحوثاً علمية و فلسفية و غير ذلك - و هي بدورها مغتنمة و قيّمة. لكني اعتقد أن المحور الرئيس في ملتقاكم يجب أن يكون أولاً الشخصية الفكرية و الهوية التنويرية للمرحوم مطهري و دوره في التيار الفكري و التنويري الإسلامي في البلاد؛ و هذه القضية على جانب كبير من الأهمية. ثانياً لتنصبّ المساعي على استمرار هذا التيار بحيث لا يتوقف. لأننا نحتاج إلى مطهري دوماً. لا يمكن التوقف عند شخص مطهري. ينبغي لمجتمعنا و منظومتنا الفكرية الإسلامية الانطلاق من إبداعاته الفكرية نحو إبداعات أخرى. نحن بحاجة لأن يكون لنا أمثال مطهري في عقدي الثمانينات والتسعينات،(1) لأن الاحتياجات الفكرية تتجدد دوماً و يوماً بعد يوم. حول الهوية الفكرية و التنويرية للشهيد مطهري و الدور الذي اضطلع به هذا الرجل الكبير في زمانه لم يتم برأيي تقديم تعريف جامع لحد الآن. طبعاً جرى العمل فيما يتصل بكتبه - و كانت الأعمال جيدة و مناسبة - و لكن ينبغي معرفة العمل الذي قام به المرحوم الشهيد مطهري في أعوام عقدي الأربعينات و الخمسينات(2) في البيئة الفكرية بهذا البلد. لقد خاض بقوة فكره و صواب آرائه في ميادين لم يكن أحد قد خاض فيها حتى ذلك الحين فيما يتعلق بالقضايا الإسلامية، و ألقى بنفسه في تحديات علمية عميقة واسعة لا نهاية لها بالنظر للأفكار التي شاعت في البلاد يومذاك - الأفكار المستوردة المترجمة عن الغرب و الشرق - أو كانت في طريقها للشياع. لقد خاض جهاداً جد ذكي في جبهة مواجهة الماركسيين، و خاض كذلك في جبهة مواجهة الأفكار الغربية و الليبرالية. هذا دور مهم جداً يتطلب جرأة و ثقة بالنفس، و قدرة فكرية، و اجتهاداً في المجالات المختلفة. كما يستلزم يقيناً و إيماناً قاطعاً. و قد تحلّى هذا الرجل العظيم بكل هذه الصفات مجتمعةً؛ فقد كان عالماً، و مؤمناً شديد الإيمان، و صاحب يقين بإيمانه، و له ثقته بنفسه. هذه أمور ضرورية. هناك أفكار مستوردة في ماضينا التاريخي، و لكن ليس بهذه السعة و الانتشار و القدرة على التأثير. تاريخنا ملئ بمثل هذه اللمحات الفكرية غير السليمة التي اقتحمت تفكيرنا العلمي - سواء في فقهنا، أو فلسفتنا، أو كلامنا - و لكن في العصر الحديث حيث تصاعد الاتصالات و نموها تدفقت الأفكار المتجددة - ببريقها الطبيعي - دوماً على المناخ الفكري للمجتمع و خلقت حاجة لمواجهة صحيحة علمية. كنا في الساحة و نشاهد الأمور. بعض المواجهات التي حصلت يومئذ لم تكن علمية، بل كانت مواجهات عصبية عقيدية؛ يرفضون رأياً من دون قراءة أو فهم و من دون أن يعرفوا ما هو. يأخذون جانباً من رأي واسع الأبعاد و يشنون حربهم ضده و يشتبكون معه و يواجهونه. هذا ما يعيد للذهن التحجر، و المراوحة، و المواجهة غير العلمية. و البعض مال نحو الأفكار المستوردة الجديدة و تأثر بها و حاولوا مطابقة الإسلام و الفكر الإسلامي و الدين معها. و كانوا يمنّون على الدين بادعائهم أنهم جعلوا الإسلام مقبولاً يرغب فيه الشباب و الناس.. أحياناً يصبحون ملكيين أكثر من الملك و يتقدمون خطوات أمام أصحاب هذه الأفكار خوفاً من أن يتهموا بالرجعية و ما شاكل و قد لاحظنا هذا في بعض الحالات.
ساقوا النبوة و التوحيد و المعاد و قضايا الإمامة، و القضايا الفقهية، و النظريات الاجتماعية و السياسية الإسلامية صوب نظائرها في المدارس الأجنبية عن الإسلام، و ربما الإلحادية، و الغربية عن الدين تماماً، و يمنّون على الإسلام بأننا جعلنا الإسلام مفهوماً و مستساغاً من قبل الجميع، و حلواً جذاباً في العيون! هذا أيضاً كان انحرافاً آخر. كلا هذين المنحيين كان انحرافاً. و الشيء الذي تميز به الشهيد مطهري في تلك الفترة أنه وقف بقدرته الاجتهادية و بإنصافه و أدبه العلمي - سواء في مجال العلوم النقلية أو في حيز العلوم العقلية - وسط الساحة و خاض معركته ضد هذه الأفكار، و عرض الفكر الإسلامي جلياً نقياً بدون شوائب. و قد شنت ضده الكثير من الحروب و أطلقت الكثير من الأقاويل، و عمل خصومه دون هوادة. لكنه قام بهذه المهمة. و لقد كان هذا دوراً على جانب كبير من الأهمية في التيار التنويري. و أضحى جهده أساس الأفكار اللاحقة في مجتمعنا. إنني اعتقد اعتقاداً راسخاً و قد قلت هذا مراراً أن تيار الفكر الإسلامي للثورة و النظام الإسلاميين يعتمد في شطر كبير منه على أفكار الشهيد مطهري. أي إن أفكاره كانت الدعائم و الأرصدة الإسلامية التي انتهلنا منها في الأفكار الإسلامية و أفضت إلى النظام الإسلامي. لذا فقد كانت أفكار الشهيد مطهري حتى في ذلك الحين موطناً آمناً للشباب طلاب و عشاق الفكر الإسلامي المعرّضين لأعتى حالات القصف بالأفكار الأجنبية.. الماركسيون بشكل ما، والتغريبينون بشكل ما؛ و قد كان ذلك في الجامعات و خارج الجامعات، و حتى في الحوزات العلمية. و قد غدا الشهيد مطهري خندقاً و مأمناً لهؤلاء الأفراد ليستطيعوا صيانة أنفسهم في ظلال هذا الفكر العميق المتين.. صيانة دينهم.. و الدفاع عنه و طرح آراء جديدة. طبعاً كانت دائرة عمل المرحوم مطهري صغيرة حسب الظاهر. الجلسات التي أشار لها السيد لاريجاني كانت جلسات صغيرة هنا و هناك، و هذا الصف أو ذاك في الكلية الفلانية. كانت في أقصى الحدود جلسة في المكان الفلاني يحضرها المئات من الأشخاص. لكنه هو أيضاً لم يكن يتوقع يقيناً أن هذه الجلسات الصغيرة سيكون لها كل تلك الآثار الكبيرة. هذه هي مكانة الشهيد مطهري. ينبغي معرفة هذه المكانة بشكل جيد و تعريفها وإيضاح حالاتها و مصاديقها. ينبغي بيان هذه الأمور. لو أخذنا هذه النقطة بنظر الاعتبار فيما يخص مفكرينا الإسلاميين، و علمائنا، و فقهائنا، فنرى مثلاً ماذا كان دور الملا صدرا في زمانه، و نطرح شخصيته كمحور رئيس لهويته العلمية، فسيكون ذلك ممارسة إيجابية مؤثرة. الأساليب الفنية لها موقعها الخاص طبعاً. اعتقد أننا لم نكتسب بعد المهارة و الحذق اللازم في الأساليب الفنية كي نستطيع فعل الشيء الذي نريده. رموزنا العلمية التي تظهر أحياناً في الأفلام و المسلسلات لا يمكنها تحقيق الانطباع و الانعكاس اللازم في أذهان المتلقين و المشاهدين على النحو الذي يستشعره و يعتقد به العارفون بتلك الرموز و الشخصيات. غالباً ما تكون النتيجة شيئاً آخر، و ينبغي التدقيق أكثر في مجال العمل الفني. إذن، ينبغي إجلاء دور الشهيد مطهري. كان الشهيد مطهري بطلاً في ساحة لم يدخلها أحد. النقطة الثانية التي من المناسب التفكير فيها هي استمرار هذا التيار. لا يمكننا التوقف و المراوحة عند محطة الشهيد مطهري. صحيح أن كتبه لا تزال بعد خمسة و عشرين عاماً على استشهاده من أكثر الكتب مبيعاً و جاذبية و إيجابيةً للأجيال الباحثة عن الفكر الإسلامي المنطقي المتين، و لا نمتلك الآن بديلاً و عديلاً لمجموعة كتب الشهيد مطهري ( رضوان الله تعالى عليه )، و مع أن مشاريع جيدة قد تم إنجازها، إلا أن أعمال الشهيد مطهري لا تزال في أعلى المستويات من حيث الأهمية و التأثير و الجاذبية و الإتقان، لكن تيار الخوض في ساحة تحدي الأفكار الوافدة و نقدها العلمي و التعامل الصحيح معها و تمييز السليم من السقيم فيها، و عرض الفكر الإسلامي و الآراء الإسلامية في خصوصها يجب أن يستمر و يتواصل، و هذا من الوظائف المهمة التي ينبغي النهوض بها. كما أسلفت نحن بحاجة إلى أمثال مطهري في العقود القادمة. بعد انتصار الثورة الإسلامية و تأسيس النظام الإسلامي تعرض الفكر الإسلامي لتحديات جادة، و بعد هذا أيضاً سيتعرض دون شك لتحديات جديدة متجددة يوماً بعد يوم.. لأن الخصوم لن يتركوه و شأنه. علينا هنا أن نستعد لذلك و نحن قادرون. الرصيد الثر و اللامتناهي الذي بين أيدينا اليوم من الثقافة الإسلامية يوفر لنا في هذه المعركة إمكانات هائلة لو كنّا ممن ينتفع منها. الحق أن تحت تصرفنا ترسانة فكرية و ثقافية عظيمة لو استطعنا استخدامها بنحو صائب. يوجد اليوم لحسن الحظ فضلاء شباب نراهم في حوزة قم، و في طهران.. فضلاء، و علماء، و أفراد صالحون، كفؤون من الناحية العلمية و من حيث بعد النظر و قوة الأفكار، و عليهم النـزول إلى هذه السوح و تنمية التواجد في هذه الميادين. حاجتنا اليوم أكبر بكثير من فترة نشاط المرحوم الشهيد مطهري أي سنوات الأربعينات و الخمسينات. كانت حاجتنا يومذاك بشكل معين، و هي اليوم أوسع و أعمق بكثير و من الضروري لهذا التيار أن يستمر. وجّهوا الملتقيات و احتفالات تكريم ذكرى الشهيد مطهري بهذه الاتجاهات كي يتشجع أشخاص على الخوض في هذه الميادين و يستعدوا لمواجهة الأمواج الإعلامية الجديدة الوافدة على كافة الصعد.. على صعيد الفلسفة، و على صعيد علم الكلام، و فيما يتعلق بقضايا البلاد المختلفة مما له صلة بالنقاشات الإسلامية.
نتمنى أن يوفقنا الله تعالى جميعاً كي نؤدي الحق العظيم لهذا الشهيد الجليل. في مناسبة أخرى ربما في لقائي هنا بعائلته المكرمة العزيزة بمناسبة ذكراه، قلت إنه ينبغي العمل على دراسة كتبه كما تدرس كتب السطوح في الحوزات العلمية. كتبه من الأمور التي اعتقد أنها ضرورية حقاً للمفكرين و من يريدون عرض الأفكار الإسلامية على الناس كالمبلغين الدينيين، و أهل المنبر، و الخطباء الدينيين. لذلك أوصيكم أن تقرأوا دورة كتب المرحوم المطهري. اصطنعوا أسلوباً لقراءة هذه الكتب و إدراجها ضمن الكتب المدرسية، و أيضاً ضمن الكتب الجامعية. كتبه سهلة الفهم لحسن الحظ. أي إنها مكتوبة بأسلوب محبب جزل. قلمه أفضل من خطابته بكثير. كان يقول إنني لا أرتاح أبداً لسماع محاضراتي، لكنني أرتاح عندما أقرأ كتاباتي. و كنت أعطيه الحق في هذا. خطاباته و محاضراته لم تكن جذابة كما هي كتاباته. الحق أن كتاباته جد محببة و جزلة وانسيابية. لذا ينبغي نشرها أكثر فأكثر. علماؤنا و فضلاؤنا، و شبابنا - خصوصاً طلبتنا الشباب - يجب أن يقرأوا دورة من كتب الشهيد مطهري. كي يكونوا مِن » مَن بنى فوق بناء السلف « إذا أرادوا فعل شيء. بمعنى أن عليهم الانطلاق من تلك الأفكار و الصعود على أكتاف الشهيد مطهري ليفتحوا قمماً أعلى إن شاء الله و يرفعوا فوقها راية الفكر الإسلامي.
وفقكم الله و أيدكم.. سررتُ كثيراً للقائكم أيها السادة، و نحن على استعداد للانتفاع من كلماتكم إذا تفضلتم بها.

الهوامش:
1 - العقدان الأول و الثاني من القرن الحادي و العشرين للميلاد.
2 - الستينات و السبعينات من القرن العشرين للميلاد.