بسم الله الرحمن الرحيم
أشكر الله تعالى أن أعطى من العمر ما سمح لي باللقاء بكم مرة أخرى في هذا المحفل الودّي من الطلبة الجامعيين الأعزاء في أيام شهر رمضان المباركة هنا في هذه الحسينية. ستكون هذه الجلسة إن شاء الله، سواء ما ذكرتموه أنتم، أو ما سوف نذكره نحن، مفيدة في المستقبل للبلاد و للجامعة و للحركة الطلابية الجامعية العظيمة.
هذه الأيام أيام طيبة، إنها كما ذكرنا طيبة شهر رمضان و الصيام و طيبة ليالي القدر و الطيبة المتصاعدة من ذكرى مولى المتقين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) و هو مظهر الطيبة و النقاء و الصفاء. نحمد الله على أن جماعة الشباب الجامعيين في إيران - و أنتم طبعاً نماذج منها - و كل الجماعة الطلابية الجامعية في البلاد، جماعة باعثة على الأمل من نواح متعددة. نتمنى أن يكون مستقبلكم و مستقبل البلاد بفضل جهودكم و مساعيكم زاخراً بالأمل و الحلاوة و الطاقة إن شاء الله.
الآراء و الأفكار التي ذكرها الأعزاء كانت جيدة جداً. و في العام الماضي أيضاً أتذكر أن الأفكار التي ذكرها الإخوة و الأخوات من الطلبة الجامعيين هنا كانت لافتة و ماتعة جداً، و هذا ما ذكرته في حينه. طبعاً لا تبقى تلك الكلمات بتفاصيلها في بالي، لكنني أتذكر كلياً أنها كانت جيدة جداً. و كذا الحال في هذا العام. في هذه السنة أيضاً ما ذكرتموه أيها الشباب حول مختلف القضايا و الأمور كان أفكاراً ناضجة و مدروسة. و أنا أوافق معظم هذه الآراء التي ذكرتموها. و قد تضمنت كلماتكم اقتراحات نتمنى أن تستطيع أجهزة البلاد و مؤسساتها، و نحن بدورنا، و المسؤولون الآخرون، أن ندرس هذه الاقتراحات أكثر، و نعثر على سبل تحقيقها.
لقد أشّرت على عدة آراء وردت في كلماتكم أريد أن أعلّق عليها ببعض الكلمات. أحد السادة ذكر أشياء عن ضرورة المراكز الفكرية. و هذا كلام صحيح تماماً و أنا أؤيّده، و يجب التخطيط لهذا الشأن. و قد قال صديقنا العزيز إننا لدينا نموذج محدود لهذه الفكرة و سوف نقدّمها، و لم يقدّموا لي شيئاً حسب الظاهر.
و أشار أحد الأعزاء إلى فكرة الاعتدال، و أراد مني أن أشرح فكرة الاعتدال و معناها، لأن الحكومة المنتخبة ترفع شعار الاعتدال. اعتقد أن هذا ليس من تكليفي أن أوضّح معنى الاعتدال. لكل شخص بالتالي نواياه و له أفكاره الكامنة وراء كلماته و شعاراته. و رئيس الجمهورية المنتخب المحترم سيقوم بهذا بالتأكيد و سوف يوضح معنى الاعتدال، و المجال مفتوح للتقييمات و الأحكام. إننا لا نمنع أحداً من تقييم الأفكار التي تطرح. و طبعاً لديّ توصيات ربما ذكرتها إن شاء الله في ثنايا الكلام.
أشار أحد الأعزاء إلى وجود بعض حالات الوحشة و الكدر بين الطلبة الجامعيين بسبب اختلافاتهم في تحليل القضايا المختلفة. أريد بكل جدّ و تأكيد أن أرجو الجميع بالعمل و السعي لأن لا يؤدي اختلاف وجهات النظر و التحليلات و التصورات حول الوقائع إلى حالات كدر و نزاع. كما هي الأجواء العلمية، قد يكون لشخصين آراء و نظرات علمية متباينة، و هذا لن يؤدي بالضرورة إلى نزاع و عداء و تعارض. هناك رأيان بالتالي. و في مضمار القضايا السياسية و الاجتماعية يبدو لي أنكم يجب أن تتعاملوا، بعضكم مع بعض، بهذه الطريقة حين تكونوا متفقين في الأطر. لا تسمحوا بتفاقم الأمور إلى كدر و وحشة. نعم، قد يكون هناك أشخاص يعادونكم في الأصول و المباني و الركائز، هذه قضية أخرى و بحث آخر. لكن اختلاف وجهات النظر يجب أن لا يؤدي إلى نزاع و كدر، و ربما عنف أحياناً. كان الإمام الخميني (رضوان الله عليه) يقول مراراً و تكراراً - لا للطلبة الجامعيين طبعاً - و إنما للسياسيين و النواب و المسؤولين و الناشطين السياسيين بأن يتصرفوا مع بعضهم كما في المباحثات العلمية بين طلبة العلوم الدينية. طلبة العلوم الدينية قد يغضبون على بعضهم أحياناً في مباحثاتهم العلمية - و يقال من حيث المضمون بأنهم يضربون رؤوس بعضهم بالكتب! و هذا طبعاً غير صحيح و غير واقعي - فيتحدثون و يتباحثون و ترتفع الأصوات، و إذا نظر ناظر تصوّر أنهم يريدون تقطيع بعضهم إرباً، و الحال أن الأمر ليس كذلك، فبعد أن تنتهي المباحثة ينهضون و يذهبون ليجلسوا على مائدة واحدة يتناولون طعامهم و يتحدثون بصداقة و ودّ. كان الإمام الخميني يقول إن على السياسيين في مجلس الشورى و الحكومة و الحزب الجمهوري الإسلامي يوم كان الحزب، و باقي المجالات و الميادين السياسية، أن يتعاملوا مع بعضهم بهذه الطريقة. قد تكون هناك اختلافات في وجهات النظر و جدال و سجال، و لكن يجب أن لا يسمحوا لحالات الكدر و العداء أن تدبّ بينهم.
من حسن الحظ أن مجتمع الطلبة الجامعيين في البلاد - و أقول هذا على نحو الأعم الأغلب - يسير على أسس مشتركة، رغم وجود أذواق سياسية مختلفة. و ما أعتقده هو أنه يجب البحث و النقاش مع الأذواق المتنوعة و التحاور معهم، و لكن من دون عداء و عراك و نزاعات و كدر و ما إلى ذلك. حاولوا جهدكم أن تبعدوا هذه الحالات عن المناخ الطلابي الجامعي.
أشار أحد الإخوة إلى أحداث عام 88 و ما شابه. و الذي أرجوه هو أنكم إذا أردتم طرح قضايا عام 88 فلتركزوا على القضية الأصلية المهمة في هذه الأحداث و لتأخذوها بنظر الاعتبار، و هي أن جماعة وقفت مقابل السياق القانوني بشكل غير قانوني و غير نجيب، و وجّهوا ضربة للبلاد. لماذا تنسون هذه المسألة؟ طبعاً قد تكون هناك على هامش حدث كبير أحداث و صدامات لا يستطيع المرء أن يشخّص فيها الظالم من المظلوم، أو قد يكون هناك شخص ظالم في موقف و مظلوم في موقف آخر. هذه أمور ممكنة تماماً، و لكن يجب عدم نسيان القضية الأصلية في هذه الغمرة. في انتخابات سنة 88 لماذا عمل الأشخاص الذين تصوروا حدوث تلاعب في الانتخابات، لماذا عملوا في مواجهتهم للتلاعب على إشعال اضطرابات في الشوارع؟ و لماذا لا يجيبون عن هذا السؤال؟ لقد سألنا مائة مرة، لم نسأل في المحافل العامة، لا، بل بشكل يمكن معه الإجابة، لكنهم لا جواب لديهم. طيّب، لماذا لا يعتذرون؟ يقولون في الجلسات الخاصة إننا نعترف بعدم وقوع تلاعب. طيّب، إذا لم يكن قد حدث تلاعب فلماذا تسببتم للبلاد بكل هذه الخسائر؟ و لماذا كلفتم البلاد كل هذه التكاليف؟ لو لم يساعد الله تعالى هذا الشعب، و لو كانت مجاميع الناس قد اشتبكت ضد بعضها، أتعلمون ماذا كان سيحدث؟ أترون اليوم في بلدان المنطقة ما الذي يحدث حين تقف مجاميع الناس ضد بعضهم؟ أخذوا البلاد إلى حافة مثل هذه الهاوية، لكن الله لم يسمح، و أبدى الشعب عن نفسه البصيرة. هذه هي القضية الأصلية في أحداث سنة 88 ، فلماذا تنسونها؟ لدينا الكثير مما نقوله حول أحداث عام 78 ، إذ أن لها قصة أخرى.
و أقول تتمة للموضوع الذي ذكرته إن أحد الأعزاء أشار إلى أنه لو حدث في الجامعة كذا و كذا فإننا سنتصدى بشدة. و أنا لم أفهم معنى هذه الـ «بشدة» جيداً! هذا الأخ الذي قال هذه العبارة كان له منطق بياني رصين و متين و دقيق جداً. طيّب، إذا كنتم من أهل المنطق و تقيمون براهينكم و أدلتكم بهذا الشكل الجيد، و تستطيعون الدفاع عن أسسكم و مبادئكم الصحيحة بهذه الطريقة، فما الحاجة لأن تتعاملوا بشدة؟ إذا كان المراد من الشدة، الشدة في البيان و النقاش و البرهنة و الكتابة، فلا كلام في ذلك، أما إذا كانت بمعنى آخر فلا، أنا لا أوافق أن تتصرفوا مقابل الرأي المخالف لكم أو الظاهرة المخالفة لرأيكم بعنف و شدة، بهذا المعنى الذي قد يكون هو المقصود من كلامكم.
و سأل عدة أعزاء عن قضية «التكليف» و «النتيجة»، و سوف أقدم لاحقاً بعض الإيضاحات حول هذه القضية.
و تحدث أحد الإخوة حول «الإشراف»، و أنا أؤيد كلامه تماماً. و ذكر الإشراف على بعض المؤسسات من قبيل مؤسسة الإذاعة و التلفزيون، و هذا ما نؤيده تماماً و هو شيء ضروري، و لكن كيف هي آلية الإشراف على مؤسسات مثل مجلس الشورى الإسلامي؟ هذه قضية مهمة و ليست بالشيء الصغير، أو كيف يمكن أن تكون آلية الإشراف على السلطة القضائية أو بعض الأجهزة و المؤسسات الأخرى؟ هذا موضوع مهم، و يمكن أن يكون من الموضوعات التي يبرمج لها الناشطون من الطلبة الجامعيين ذوي المستوى الفكري العالي، و يفكروا فيها و يعملوا و يقدموا اقتراحاتهم. أعتقد أنها من أعمالكم و مهماتكم، فأنجزوا هذه الأعمال، و ساعدوا التنظيمات و التشكيلات العامة للبلاد.
و نبّه أحد الإخوة إلى أن بعض الأجهزة و المؤسسات المرتبطة بالقيادة تمتنع عن النشاطات الشفافة الواضحة و عن التفتيش. أنا طبعاً لا أظن هذا. و إذا كان هذا فنعم، يجب عدم الامتناع عن البيان الشفاف بشأن القضايا الممكنة التبيين و التي يجب بيانها، كما يجب عدم الامتناع عن التفتيش. و لا أظن أن مؤسسات مثل مؤسسة المستضعفين أو ما شاكل مستثناة من التفتيش، أي إنني لا أحمل مثل هذا التصور لحد الآن. و على كل حال إذا كان هذا فهو إشكال وارد، و من اللازم أن تستطيع أجهزة الإشراف ممارسة الإشراف على هذه المؤسسات.
و سألني أحد الإخوة عن إحداثيات المناخ الجامعي المتوثب، و هذا موضوع لافت، و قد سجّلت بعض الملاحظات في هذا الخصوص، سوف أذكرها.
سألني أحد الأعزاء ما هي توصيتك للطلبة الجامعيين الذين سيلتحقون في شهر مهر القادم بالبيئة الجامعية؟ توصيتي لأولئك الطلبة الجامعيين كتوصيتي لكل الطلبة الجامعيين. إنني أدعو كل الطلبة الجامعيين لطلب العلم بالمعنى الحقيقي للكلمة - أي السعي وراء العلم و طلبه - و أدعوهم للنشاطات المتناسبة مع طلب العلم، سواء النشاطات الاجتماعية أو النشاطات السياسية.
النقطة التي ذكرها أحد الأعزاء حول التأمين المالي للجامعات هي الأخرى نقطة صحيحة و جديرة بالملاحظة. على كل حال ذكر السادة و السيدة الذين تحدثوا نقاطاً كانت جيدة جداً و صحيحة.
ما سجّلته لأقوله لكم - و طبعاً هذا الكلام يتعلق بمجاميع الطلبة الجامعيين لكنه يقبل التعميم على كل البلاد و كافة شرائح الشباب على اختلافها - منه السؤال القائل: ما هي العلاقة بين الشاب و الطالب الجامعي و العناصر الثورية و بين مبادئ الثورة؟ أعتقد أن مبادئ الثورة - و هي ذات أطر معينة و سوف أذكر بعضها و أحددها - مما لا يمكن متابعته و الوصول إليه من دون طاقات الشباب و حيويتهم و شجاعتهم. هذه هي علاقتكم المنشودة بالمبادئ. عقيدتي هي أنه لو لا طاقة الشباب و قدراتهم الفكرية و البدنية و لو لا الحيوية و الحراك و الروح المتوثبة و كذلك الجرأة بمعنى اقتحام الخطوط، و هي من خصوصيات الشباب، فإننا لن نصل إلى مبادئنا و أهدافنا و مطامحنا. لذلك يتحمّل الشباب مسؤوليات كبيرة على صعيد تحقيق المبادئ و تطبيق أهداف الثورة و المثل الإسلامية، و لديهم إلى ذلك الكفاءة العالية لتحقيق ذلك. كل من يطمح إلى تحقيق المبادئ و المثل يجب أن ينظر بجد لدور الشباب، و اعلموا أنني أنظر بجد لدور الشباب. ما ذكرته مراراً بشأن الشباب، سواء الشباب من الطلبة الجامعيين - و خصوصاً الشباب من الطلبة الجامعيين - أو الشباب من غير الطلبة الجامعيين، لم يكن مجرد مجاملات لسانية، إنما عقيدتي هي أن الشباب بوسعهم حل العقد و المشكلات. طبعاً المهم هو أن يعرفوا ساحة العمل و الحراك و يشخّصوها بصورة صحيحة، و يجب أن يحددوا و يشخصوا العمل الذي يريدون القيام به بصورة صحيحة. هذه نقطة.
نقطة أخرى هي أن مبادئ النظام الإسلامي - و هي في الحقيقة المبادئ الإسلامية - منظومة و مجموعة ذات نظام لها مراتبها المختلفة. بعض هذه المبادئ تمثل أهدافاً أكثر غائية و نهائية، و بعضها تمثل أهدافاً قصيرة الأمد لكنها من جملة المبادئ. يجب متابعة و نشدان كل هذه المبادئ. مثلاً المجتمع العادل و المتقدم و المعنوي هو من المبادئ و المطامح و المثل، و هو من المثل المصنّفة على الدرجة الأولى و من أعلى المبادئ و أهمّها. أولاً الإسلام ينشد إيجاد مجتمع يدار بنحو عادل. أي إن مدراء المجتمع و مسؤوليه يتصرّفون بشكل عادل. و ثانياً أن يكون المجتمع نفسه مجتمعاً عادلاً - فالعدالة لا تقتصر على المدراء إنما يجب على كل واحد من أبناء الشعب أن يكون عادلاً مع أبناء الشعب الآخرين - ثم يجب أن يكون المجتمع مجتمعاً متقدماً. الإسلام لا يقبل إطلاقاً المجتمع المتأخر في الشؤون العلمية و السياسية و الحضارية، و في أي مجال من المجالات الأخرى. الإسلام ينشد تكوين مجتمع متقدم متطور، و جزء مهم من الأحكام الإسلامية تنادي بهذا المعنى. كما ينشد الإسلام أن يكون المجتمع معنوياً. المجتمع في النظام الإسلامي يجب أن يدار بطريقة عادلة، و يكون مجتمعاً عادلاً في داخله، و يكون مجتمعاً متطوراً، و كذلك مجتمعاً معنوياً، أي يكون مشبّعاً بالمعنويات.. المعنويات التي تجعل الإنسان لا ينظر للأهداف المادية الشهوانية اليومية التافهة في الحياة على أنها أهداف سامية طويلة الأمد، إنما تكون له أهداف أرقى و أسمى. و أن تكون العلاقة بين كل الناس و ارتباط القلوب مع الله محفوظة مصانة. هذا هو المجتمع الذي يريده الإسلام. هذه من المبادئ و المثل و الأهداف. و مثل هذا المجتمع سيكون نموذجياً. إذا استطعنا بالعمل و الجهود الجماعية تكوين مثل هذا المجتمع - و أعتقد أن هذا الشيء ممكن تماماً و قابل للتحقيق و عملي، و قد تقدمنا في هذا المسار أشواطاً طويلة - فإن هذا المجتمع سيكون نموذجاً يحتذى، لا من قبل المجتمعات و البلدان المسلمة فقط، بل حتى من قبل البلدان غير المسلمة. طيّب، تكوين و إيجاد مجتمع بهذه الخصوصيات من المبادئ.
مطمح آخر من المطامح و المبادئ هو الاقتصاد المقاوم، و هو مطمح أصغر من المطامح السالفة التي تحدثنا عنها. و مع أن الاقتصاد المقاوم شيء مهم إلّا أنه يأتي تبعاً تلك المبادئ السابقة. السلامة و الصحة في المجتمع، و الصناعة المتفوقة، و الزراعة المتفوقة، و التجارة المزدهرة، و العلوم المتقدمة، هي كلها من المبادئ و المطامح. و النفوذ الثقافي في العالم، و النفوذ السياسي في العالم و في المنظومة السياسية في العالم هي أيضاً من المبادئ و المطامح. و تحقيق العدالة الاجتماعية أيضاً من المطامح. و عليه، حين نقول مطامح و مبادئ لا ينصرف الأذهان إلى أمر غير محدد و لا يمكن تحقيقه عملياً. هذه هي المبادئ، و هي كلها مبادئ، على اختلاف درجاتها في الأهمية.
مجموعة هذه الإرادات و الأهداف تشكل منظومة المبادئ الإسلامية. من أجل أي واحد من هذه المبادئ سعيتم و عملتم تكونوا في الواقع قد عملتم من أجل المبادئ. الجماعة التي تعمل مثلاً في سبيل الاقتصاد المقاوم، أو الجماعة التي تعمل في مضمار تنمية الثقافة الثورية و الإسلامية في العالم الإسلامي، هؤلاء كلهم يعملون عملاً مبدئياً. و الذي يبذل الجهود على الصعيد السياسي و الدبلوماسي عمله هذا عمل مبدئي. و الذي يعمل في ميدان الصحة و السلامة إنما يعمل في سبيل المبادئ. هذه هي المبادئ. إنها كلها ضرورية و مهمة و لها بالطبع مراتب و درجات متفاوتة من الأهمية.
السؤال الآخر الذي طرح و قد سجّلته هنا مسبقاً - و هذا يدل على أن هذا السؤال قد وصلني مسبقاً، بمعنى أنه سؤال مطروح على بساط البحث - هو: ما هي العلاقة بين المبادئ و الواقع؟ الحظر الاقتصادي مثلاً. الحظر حقيقة واقعة. و من مبادئنا و مطامحنا التقدم الاقتصادي في البلاد، و من جهة توجد حقيقة واقعة اسمها الحظر. أو على صعيد القضايا السياسية المختلفة، في الانتخابات و غير الانتخابات. ما استطيع قوله هو إننا نؤيّد النزعة المبدئية مائة بالمائة، و نؤيّد النظر للواقع و أخذه بعين الاعتبار مائة بالمائة. النزعة المبدئية من دون ملاحظة الواقع ستفضي للأخيلة و الأوهام. حينما تتحركون و تسيرون لبلوغ هدف و مبدأ معين يجب أن تأخذوا الواقع المحيط بكم بنظر الاعتبار و تفحصوه و تخططوا طبقاً لذلك الواقع. من دون أخذ واقع المجتمع بنظر الاعتبار لن يكون تصورنا عن المبادئ و المطامح تصوراً صحيحاً صائباً بالدرجة الكافية، ناهيك عن أن نحقق هذه المبادئ و نطبقها عملياً.
لو أردنا أن نسوق مثالاً لقلنا إن المبادئ مثل القمة. من هم من أهل التجول في الجبال و الصعود إلى القمم يتصورون القمة بصورة صحيحة. الصعود إلى القمة مطمح، فشبّهوا المبادئ بالصعود إلى قمة جبل. يرغب الإنسان أن يصعد إلى تلك القمة. حينما تكونون في أسفل الجبل تحبّون أن تصعدوا و تصلوا إلى تلك النقطة في الذروة و القمة المرتفعة التي تنظرون لها، و لكن ثمة واقع و أمور واقعية، فإذا أردتم الصعود من دون الاكتراث لهذه الواقعيات سوف تهدرون طاقاتكم. و الواقع هو أن الوصول إلى تلك القمة لا يعني أن تنظروا فقط لما ينتصب أمام أعينكم فتقولوا: هذه هي القمة و هذا هو السفح، إذن لنصعد. ليست القضية بهذا الشكل، إنما هناك طريقة للصعود. إذا لم تحتاطوا، و لم تنظروا إلّا لما هو أمامكم، فأخذتم السفح و سرتم و صعدتم فسوف تصلون بالتأكيد لنقاط لا سبيل فيها للتقدم إلى الأمام و لا التراجع إلى الوراء. الذين هم من أهل الصعود للقمم و التجوال في الجبال تحدث لهم مثل هذه المواقف، و قد حدثت لي. حين يسير المرء من دون معرفة للطريق، يصل لمناطق لا يمكنه فيها التقدم إلى الأمام و لا التراجع للوراء، و يجب أن ينقذ المرء نفسه من هذه المشكلة بكثير من الجهود و الصعوبة. الواقع هو الطريق الذي يجب أن نكتشفه و نعرفه.
طبعاً يجب النظر للواقعيات بالمعنى الواقعي للكلمة، و لا نتصور الإيحاءات و التلقينات على أنها واقع. أنتم الشباب تعلمون جيداً أنه من الممارسات التي تستخدم في الحروب النفسية الشائعة في العالم اليوم الإيحاء بواقع غير واقعي. يوحون بأشياء على أنها واقع لكنها غير واقعية. يصطنعون الشائعات و يتحدثون، لكن ما يقولونه غير واقعي. و إذا لم يكن المرء ذا عيون مفتحة بصيرة فسيقع في الخطأ. و لهذا نؤكد كل هذا التأكيد على البصيرة. من فاعليات البصيرة أن يرى الإنسان الواقع كما هو. قد يضخّمون في الإعلام أحياناً واقعاً فيظهرونه أكبر من حقيقته عدة أضعاف، في حين قد لا يتحدثون عن واقعيات أخرى على الإطلاق. مثلاً واقعية من الواقعيات أن بعض نخبة البلاد يخرجون من البلاد، نعم، هذا واقع، و لكن ثمة في مقابل هذا الواقع واقع آخر هو ازدياد عدد النخبة و الطلبة الجامعيين النخبة. متى كان لنا هذا العدد من الطلبة الجامعيين النخبة؟ انظروا لتاريخ الجامعات في بلادنا.. ازدياد أعداد الطلبة الجامعيين النخبة في الأعوام العشرة أو العشرين الأخيرة و على شتى المستويات و الصعد، ازدياد ملحوظ تماماً. كم لنا من الأساتذة النخبة. حينما انتصرت الثورة الإسلامية كان عدد الأساتذة في جامعات البلاد محدوداً و قليلاً - و لأنني لا أتذكر الآن العدد بشكل دقيق لا أريد ذكره، لكنه كان عدداً قليلاً جداً، و أتذكره الآن على وجه التقريب - و اليوم أصبح العدد أكثر عشرة أضعاف، و هؤلاء كلهم نخبة. و لنفترض أن عدداً من هذه المجاميع الهائلة من النخبة الذين خرّجتهم جامعات البلاد - من طلبة و أساتذة و نخب علمية - قد غادروا إلى الخارج. إذا كان الإنسان يرى ذلك الواقع فيجب أن يرى هذا الواقع أيضاً. الذين يثيرون الدعايات و الإعلام ضد الجمهورية الإسلامية يضخّمون ذلك الواقع و يتجاهلون هذا الواقع. بل و لا يذكرونه إطلاقاً. و عليه، يجب مشاهدة هذا الواقع. المبادئ ممكنة التحقق بالنظر للواقع. و لكن يجب النظر للواقع و ليس إلى ما يُوحى به بأساليب الأعداء على أنه واقع.
من رأيي أن الناشط من الطلبة الجامعيين المبدئيين الذين يعرفون الواقع يجب أن لا يشعر في أية ظروف بالانفعال و الانغلاق. أي يجب عدم التخلي عن النزعة المبدئية، لا عند الانتصارات الحلوة و لا في الهزائم المُرّة. كانت لدينا انتصارات كبيرة في ساحات الدفاع المقدس، و كانت لنا هزائم مُرّة. كان الإمام الخميني (رضوان الله عليه) يوصي و يقول: لا تقولوا انكسار، بل قولوا عدم فتح. أحياناً يكون النصر من نصيب الإنسان و أحياناً لا يكون النصر من نصيبه، و ما المهم؟ ثمة البعض إذا كانت مسار الأمور على ما يرومون و يوصلهم إلى الهدف الذي ينشدونه يتخلون عن متابعة المبادئ و السعي لها. هذا خطأ. «فإذا فرغت فانصب» (1) يقول لنا القرآن: إذا انتهى عملك و فرغت من مساعيك، فلتستعد توّاً لمواصلة العمل. البعض هكذا - و هذا خطأ - و البعض على العكس، فإذا لم يكن مسار الأحداث طبقاً لمرادهم يصابون باليأس و الانفعال و الهزيمة. هذا أيضاً خطأ. كلا الحالتين خطأ. ليس ثمة أساساً طريق مسدود في النزعة المبدئية الصحيحة الواقعية. حين يلاحظ المرء الواقع لن يكون هناك شيء غير قابل للتخمين و التقدير في نظره.
ما أتوقعه من الطلبة الجامعيين الأعزاء هو أن يسعوا نحو المبادئ و المطامح دوماً، سواء عندما تكون الأحداث مطابقة لمقاصدكم و رغباتكم، أو عندما تكون الأحداث غير مطابقة لمرادكم. لا تتخلوا عن النزعة المبدئية المصحوبة بالنظرة الواقعية. و كذا الحال بالنسبة لأصل الثورة الإسلامية، و كذا الحال بالنسبة للحرب، و هكذا كان الحال في الأحداث المتنوعة التي وقعت طوال هذه الأعوام. البعض لا تكون مواقفهم و أوضاعهم الروحية و المعنوية و الفكرية حيال الأحداث المتنوعة متناسبة مع ضرورات النزعة المبدئية.
و السؤال الآخر هو - و قد ذكر هذا أيضاً بعض الأعزاء هنا - كيف يجب أن تكون العلاقة بين «التكليف» و «النتيجة»؟ لقد قال الإمام الخميني: إننا نسعى لأداء واجبنا. فهل معنى ذلك أن الإمام الخميني لم يكن يفكر في النتائج؟ كيف يمكن أن يقال مثل هذا؟ الإمام الخميني الجليل الذي تحمّل بتلك الشدة و الحدة و في سني شيخوخته كل تلك الصعاب من أجل أن يؤسس النظام الإسلامي، و قد نجح، هل يمكن أن يقال إنه لم يكن يهتم للنتائج؟ لا بدّ أن معنى التكليف و نزعة التكليف أن يعمل الإنسان في سبيل الوصول إلى النتيجة المطلوبة على أساس تكليفه و واجباته، و لا يعمل بخلاف التكليف، و لا يقوم بأعمال غير مشروعة. و إلّا فالمساعي التي قام بها الأنبياء و أولياء الدين كانت كلها من أجل الوصول إلى نتائج معينة.. كانوا يسعون لتحقيق النتائج. فهل يمكن القول إننا لا نسعى للنتائج و لا نهتم لها؟ أي لتكن النتائج ما كانت؟ لا، طبعاً الشخص الذي يعمل بتكليفه من أجل الوصول للنتيجة، إذا صادف و لم يصل لنتيجته المرجوّة سوف لن يشعر بالندم، لأنه مرتاح البال من أنه عمل بتكليفه و واجبه. و إذا لم يعمل الإنسان بتكليفه من أجل الوصول للنتيجة، فإنه حين لا يصل سيشعر بالخسارة. أما الذي قام بواجبه و تكليفه و مسؤولياته و نفذ ما يجب عليه تنفيذه من أعمال، و لاحظ كما سبق أن ذكرنا الواقع و خطط و عمل على أساس الواقع، و لم يصل للنتائج المرجوّة في نهاية المطاف، فإنه لن يشعر بالخسارة، فهو قد أدّى واجبه. و عليه، إذا تصورنا أن نزعة التكليف معناها أن لا ننظر أبداً للنتائج، فهذا تصور غير صائب.
في الدفاع المقدس و في كل الحروب التي وقعت في صدر الإسلام في زمن الرسول الأكرم (ص) أو بعض الأئمة (عليهم السلام) كان الذين يخوضون غمار الساحة يعملون بواجبهم و تكليفهم. و قد كان الجهاد في سبيل الله تكليفاً. و كذا الحال في سنوات الدفاع المقدس. كان الدخول في هذه الساحة نابعاً من الشعور بالتكليف و الواجب. الذين كانوا يسيرون للانخراط في هذه الساحة كانوا يشعرون بالواجب غالباً. و لكن هل كان هذا الشعور بالواجب و التكليف بمعنى أنهم لم يكونوا يفكرون بالنتائج؟ و لا يحسبون حسابات طريق الوصول للنتائج؟ و لم تكن لديهم غرف عمليات؟ و ليس لديهم خطط و تكتيكات و غرف قيادة و تشكيلات عسكرية؟ لم يكن الأمر كذلك. إذن، نزعة التكليف لا تتنافى إطلاقاً مع السعي للحصول على النتائج و أن ينظر الإنسان ليرى كيف يحصل على هذه النتائج و كيف يمكن له تحقيقها، فيخطط حسب السبل المشروعة و الميسّرة المفضية إلى تلك النتائج.
نقطة أخرى هي أن الحيوية و النشاط حالة لازمة و ضرورية في الجامعات. الجامعة التي تعاني من الركود ليست جامعة جيدة. ما هو المراد من هذا الحماس و الحيوية؟ تعبّر هذه الحيوية عن نفسها في مواطن و مساحات متنوعة، فهناك المساحات العلمية و هناك المساحات الاجتماعية و السياسية التي يمكن للحيوية أن تعبّر عن نفسها هناك. البيئة الجامعية بيئة بحث عن آراء صحيحة على الصعيد السياسي و فيما يتعلق بإدارة البلد و كذلك باقي القضايا العامة الكبيرة. حول قضية الصحوة الإسلامية مثلاً - و هي قضية مهمة - تعتبر البيئات الجامعية و الطلابية مكاناً للبحث عن الآراء الصحيحة في هذا الموضوع. و على أساس الأفكار و البحوث و الحراك الذهني يحصل الحراك العملي، و تتجلى الواجبات و الوظائف، و يجب القيام بأعمال معينة على أساس تلك الوظائف، و هي أعمال تجري في الوقت الحاضر. إذن، البحث و التحليل و الفهم و التشخيص في الجامعات من المساحات المتنوعة للحيوية و الحراك.
و من مساحات الحيوية و الحراك و الاندفاع الطلابي و الجامعي الفصل بين القضايا الأصلية و الفرعية و عدم الخلط بينها، و تمييز قضايا الدرجة الأولى عن قضايا الدرجة الثانية، و عدم الانشغال بالقضايا التي لا تحظى بالأولوية و معرفة هذه القضايا و تشخيصها. إذا كنتم ترون البعض ينشغلون بقضايا فرعية فعلى المناخ الجامعي أن يستطيع أن تكون له في هذا الخصوص تقييمات صحيحة: هذه قضية أصلية و تلك قضية فرعية، و هذه قضية تتمتع بالأولوية و تلك لا تحظى بالأولوية. المناخ الجامعي و الطلابي مثل هذا المناخ. و هذا لا يعني أن هناك فكراً واحداً بالضرورة يسود كل هذه الجموع الطلابية، لا، فقد تكون هناك اختلافات في الآراء. أنتم تقولون إن هذه القضية لا تحظى بالأولوية و الأهمية، و آخر يقول إنها مهمة و ذات أولوية. لا بأس، المناخ مناخ بحث و تبادل وجهات نظر، و هذا ما يوجد الحيوية و الحراك.
أخال أن هناك اليوم موضوعات يمكن أن تكون موضوع بحث و نقاش في المناخات الطلابية الجامعية، و هذا ما يوفر أرضيات الحيوية و الحراك العلمي و الاجتماعي. و من هذه الموضوعات قضية «الملحمة الاقتصادية». الملحمة الاقتصادية عنوان أطلق و استخدم، و يمكن البحث و الكلام حول حدود هذا العنوان و تخومه، و مناقشة سبل تحقيقه. بوسع البيئات الجامعية و الطلابية أن تنشط في هذا المجال. هذه من الأمور و النقاشات التي يمكن أن تغيّر مصير البلاد. طبعاً ليست الملحمة الاقتصادية قضية عابرة، ليست القضية أننا نطلق ملحمة اقتصادية لعدة أشهر و نصل إلى نتائج، لا، الملحمة الاقتصادية عنوان لحركة و مسيرة طويلة الأمد، يمكن أن تبدأ في سنة 92 ، و يجب أن تبدأ.
أو «الاقتصاد المقاوم» على سبيل المثال. عنوان «الاقتصاد المقاوم» عنوان مهم بالتالي. طبعاً هو عمل تمّ و جرى تعريفه و نوقش و رسمت سياساته - في المراكز المختصة بالتخطيط و رسم السياسات - و لكن فيه مجال للبحث: ماذا يعني الاقتصاد المقاوم؟ ما هي المقاومة المقصودة في مضمار قضايا البلاد الاقتصادية؟ و كم تستطيع الجامعة الخوض في هذا البحث باعتباره بحثاً و عملاً علمياً؟ هذه كلها يمكن أن تعتبر موضوعات لبحوث الطلبة الجامعيين.
و هناك قضية «أسلوب الحياة» - التي طرحتُها العام الماضي في زيارتي لمدينة بجنورد و جرى الترحيب بها - و هي قضية على جانب كبير من الأهمية. البحث حول قضايا أسلوب الحياة و إبداء وجهات النظر الموافقة و المعارضة حول شتى المواد و التصورات، هذه بحوث تبعث الحيوية و النشاط في الجامعة. مثل هذه البحوث المهمة و المختصة بالواقع تمثل دماء تجري في هذا الجسم العظيم. هذه تختلف عن البحوث الشائعة التي شاهدناها و كانت دارجة في أيام شبابنا. في ذلك الحين كنا نسمّي مثل هذه البحوث و النقاشات بحوثاً تنويرية، و لم تكن تمتّ للواقع بأية صلة. كانوا يجلسون ساعات و يتناقشون فيثبت هذا شيئاً و ينفي ذاك شيئاً، و لم تكن لها أية نتائج، و لم تكن مرتبطة بالواقع الاجتماعي، أما هذه فكلها بحوث مرتبطة بالقضايا الاجتماعية.
أو قضية «الصحوة الإسلامية» و آفات هذه الصحوة. الحدث الذي وقع في هذه البلدان من العالم الإسلامي لم يكن بالحدث الصغير، بل كان حدثاً كبيراً. طبعاً تحليل أحد الأخوة كان صحيحاً تماماً، فالصحوة الإسلامية منبعثة بلا شك من الجمهورية الإسلامية في إيران. لا نريد طرح هذا الرأي اعتباطاً لإثارة الحساسيات في البلدان المختلفة، لكنه واقع. هذه الصحوة الإسلامية نفسها ظاهرة على جانب كبير من الأهمية. و القضية ليست بحيث يمكن القول إن المضادات التي اختلقوها لها قد عملت على تفتيت هذه الصحوة و القضاء عليها، لا، ليس الأمر كذلك. لقد حصلت هذه الصحوة، و هذه الأحداث التي تشاهدونها في الوقت الحاضر في مصر و بعض المناطق الأخرى تدل كلها على عمق الصحوة الإسلامية في هذه البلدان. طبعاً لم تجر إدارة هذه الأحداث بشكل جيد، و برزت حالات من الفجاجة و الخطأ. و من الموضوعات أنْ تبحثوا في حالات الفجاجة و الخطأ هذه، و تحددوا أين أخطأوا، و ما الذي فعلوه و لم يكن يجب عليهم فعله، أو ما الذي لم يفعلوه و كان يجب عليهم فعله. هذه من الموضوعات المهمة لبحوث الحلقات الطلابية في الجامعات. أعتقد أنه من المهم أن نعلم و نقارن بين الثورة الإسلامية و تشكيل الجمهورية الإسلامية في إيران و ما حدث في بلد كبير مثل مصر باعتباره ثورة إسلامية. برزت هناك آفات و الساحة المصرية اليوم ساحة مؤلمة جداً.. إنها مؤلمة جداً بالنسبة لنا نحن الذين نراقب الأحداث فيها. و السبب في ذلك هو الأخطاء التي حصلت ، و قد وقعت أمور و أعمال ما كان يجب أن تحصل، و كانت هناك أعمال يجب أن تحصل لكنها لم تحصل. ثم تجري مقارنة هذه بالنماذج المماثلة و النظائر في نظام الجمهورية الإسلامية.. كيف جرى العمل هنا منذ البداية، و كيف جرى العمل هناك؟ نعتقد أن هذه البحوث مهمة جداً. يصطف الاستكبار اليوم اصطفافاً عجيباً فهناك جبهة طويلة مقابل هذه الصحوة، و تشاهدون جوانب من هذه الممارسات في البلدان الثائرة و الأحداث التي تجري فيها، و كذلك في أحداث بلادنا. العمل عمل مهم جداً.
و من الموضوعات الأخرى التي يمكن البحث و الدراسة فيها العمق الاستراتيجي للنظام في النظر لقضايا المنطقة. في النظر لقضايا المنطقة يلاحظ المرء ظاهرة، ألا و هي العمق الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية الإيرانية. ثمة أحداث يمكن اعتبارها كالجذور أو الحبال الممسكة للخيمة، أي إنها عامل على القوة و الرصانة داخل البلاد. هذا عمق استراتيجي. حين تلاحظون الإمام الخميني يتحدث بكلام صراحة في تلك الأيام عن الثورات خارج البلاد و الخلايا الثورية، فذلك من أجل تشكيل مثل هذا العمق، و قد تشكل فعلاً. الأجهزة الاستكبارية تتخبط اليوم في محاولاتها محاربة هذا العمق الاستراتيجي. و لم يصلوا إلى نتيجة طبعاً، و لن يصلوا.
و من القضايا المهمة في هذا الصدد الأعمال التي يقوم بها الأعداء لبث الخلافات بين الشيعة و السنة، و ضرب المجاميع الشيعية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. لأن العدو يتصور أن العناصر الشيعية تمثل بصورة طبيعية مواقع و قواعد للجمهورية الإسلامية، لذا يريدون ضرب هذه المواقع و تفتيتها، و هم على خطأ طبعاً. فمواقع الجمهورية الإسلامية لا تنحصر بالشيعة. الكثير من الإخوة السنة في الكثير من البلدان يدافعون عن الجمهورية الإسلامية دفاعاً مستميتاً بنحو لا يفعله الكثير من الشيعة. البعض من هؤلاء المعارضين للثورة في خارج البلاد - و على حد تعبيركم في الجهة الأخرى من الماء - و يتحدثون دوماً ضد الجمهورية الإسلامية، إذا سألتهم ما هو مذهبكم لقالوا نحن شيعة. و الكثير من المسلمين من غير الشيعة الإمامية - إما شيعة زيدية أو من أهل السنة - لا يقلون شيئاً عن إخوتهم الشيعة في الدفاع عن النظام الإسلامي. و بالتالي، فأعداؤنا ليس لديهم فهم صحيح بخصوص العمق الاستراتيجي، و الذي يفعلونه خطأ. و عليه، فمن المساحات المهمة و الضرورية للحيوية في الجامعات مساحة القضايا السياسية و الاجتماعية و القضايا المتعلقة بواقع الحياة. و بوسعكم البحث فيها و تنضيجها و دراستها و عرضها على الأجهزة الإدارية في البلاد و توفيرها للنظام الإسلامي كنتاجات علمية و فكرية. و ستكونون أنتم أنفسكم بعد فترة غير طويلة من المدراء في مختلف القطاعات بالبلاد. يجب أن تنتفعوا من هذا في الوقت الحاضر.
و من المجالات الأخرى المتعلقة العلم و النشاط العلمي. و أقولها لكم إن من الاحتياجات الأساسية و ذات الدرجة الأولى في البلاد اليوم هي الحاجة العلمية. إذا استطعنا على الصعيد العلمي مواصلة حالات التقدم و التطور التي أحرزناها لحد الآن، و الحمد لله، و بنفس السرعة، فستكون في ذلك بلا مراء حلول كبيرة للمشكلات الاقتصادية و للمشكلات السياسية و للمشكلات الاجتماعية و للقضايا الدولية. العلم قضية على جانب كبير من الأهمية. في غضون هذه الأعوام العشرة أو الإحدى عشرة الماضية تم إنجاز الكثير على هذا الصعيد، و لكن يجب مواصلة العمل بعد هذا أيضاً. يجب مضاعفة العمل. عقيدتي و رأيي هو أن العمل العلمي في الجامعات و في البلاد يجب أن يكون جهادياً، يجب القيام بالأعمال العلمية على نحو جهادي.
من توصياتي للطلبة الجامعيين الأعزاء تعزيز تواصلهم و علاقاتهم بالأساتذة المتدينين و الملتزمين. الأساتذة الملتزمون و المتدينون في المناخات الجامعية في الوقت الحاضر ليسوا بقلائل لحسن الحظ، فضاعفوا من تواصلكم معهم و زيدوا من علاقاتكم مع المراجع الفكريين، سواء الفكر الديني أو الفكر السياسي، ممن هم موضع ثقة و اطمئنان و نزاهة. و متّنوا من دراساتكم و مطالعاتكم الفكرية، و هذا ما أوصيت و أوصي به الطلبة الجامعيين الأعزاء دوماً.
و طرح سؤال حول الموقف من الحكومة الحالية. ما اعتقده هو أنه يجب دعم و مساعدة و التعاون مع كل الحكومات بما في ذلك الحكومة المنتخبة الجديدة التي ستتشكل رسمياً إن شاء الله بعد أسبوع أو أسبوعين و تبدأ أعمالها. و قال الأعزاء إنه لو كانت الحكومة كذا فسندعمها و إذا كانت كذا فسننتقدها. أنا طبعاً لا أعارض النقد، و لكن ينبغي التفطن أولاً إلى أن النقد يختلف عن تحرّي العيوب و تسقّط العثرات. و ثانياً يجب أن تتوفر فرصة للعمل. بخصوص هذه الحكومة التي تتولّى الأمور اليوم، قلت قبل ثمانية أعوام لبعض الذين أرادوا النقد فلتدعوا شيئاً من الوقت يمضي و تتوفر للحكومة الفرصة و المجال لتتحرك، ثم إذا كانت لكم نقودكم فابدأوا النقد. لا تتسرعوا في البدء بالنقد. هذا هو رأينا بخصوص الحكومة و كل الحكومات. و ما من أحد يخلو من الضعف. إنني أنظر لنفسي فأجد فيها الكثير من الضعف. أحياناً يقول طلبة العلوم الدينية حينما يسمعون من شخص شيئاً: لا تقس الأمر على نفسك يا سيدي. و أنا هنا أقيس الأمر على نفسي. أنظر إلى نفسي فأجد فيها الكثير من الضعف، و أقول مع نفسي أن الجميع هكذا. الجميع لديهم نقاط ضعف و قوة و مشكلات، لذلك يجب أن لا يرفع الإنسان التوقعات إلى درجة تخرج فيها عن نطاق المقدرة المنطقية. لا، يجب النظر للواقع و مشاهدة المشكلات و مدّ يد العون و الدعاء إلى الله تعالى بأن يُعين هذه الحكومات و كل الحكومات لتستطيع إن شاء الله النهوض بأعمالها و واجباتها، و تتمكن مجاميع القوى الناشطة على الصعد السياسية و الطلابية الجامعية و الإدارية أن تتعاضد و تتقدم بالأعمال و الأمور إلى الأمام.
طيّب، لقد انتهى وقتنا، و نحن نقترب من الأذان، و أريد أن ادعو ببعض الأدعية. و ادعوا معنا أيها الشباب الأعزاء بقلوبكم النقية الطاهرة لتستجاب هذه الأدعية إن شاء الله. اللهم اجعل مصير بلادنا و شعبنا مصيراً يبعث على الفخر و زاخراً بالسعادة و الحلاوة و الفلاح. اللهم منّ على شعبنا و شبابنا و مسؤولينا بالتوفيقات و الهداية و العون. ربنا حقق المبادئ و الأهداف السامية لنظام الجمهورية الإسلامية في المستقبل القريب الذي يراه هؤلاء الشباب. و ضاعف اللهم من هممنا للوصول إلى هذه المبادئ و المطامح يوماً بعد يوم. ربنا أعن شعب إيران و شباب إيران في الميادين الخطيرة، و انصر شعب إيران على أعدائه. اللهم أنزل في هذه الليالي المباركة و في هذه الأيام المباركة المعنوية، رحمتك و بركاتك على شعب إيران. اللهم اجعل ما قلناه و سمعناه لك و في سبيلك. و أرض عنا القلب المقدس لإمامنا المهدي المنتظر (ع). و أرض عنا جميعاً أرواح الشهداء الطيبة و الروح الطاهرة لإمامنا الخميني الجليل.
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

الهوامش:
1 - سورة الإنشراح، الآية 7 .