الكاتب: الدكتور مسعود أسداللهي

بيان الخطوة الثانية ينطوي على مضامين بالغة الأهميّة خاصّة في مجال السياسة الخارجيّة وعلاقات الجمهورية الإسلامية في إيران التي سوف أقوم فيما يلي بتفصيلها وشرح كلّ منها بشكل محوري.

١- النقطة الهامّة الأولى التي طرحها سماحته في مجال السياسة الخارجيّة هي أنّ إيران لم تبادر أبداً إلى أيّ نوع من أنواع الحروب، والنزاعات وخلق التوترات مع أيّ حكومة وبلد آخر. بل إنّ الآخرين هم من بادروا إلى خلق التوترات، والنزاعات والمؤامرات ضدّ إيران مثل صدّام أو أمريكا أو السعوديّة. هذه قضيّة بالغة الأهميّة لأنّها تظهر سياسة إيران السلميّة والإيجابيّة في واقع الأمر خاصّة أنّها تتعاون مع الدّول الجارة ولا تسعى أبداً لخلق اضطرابات وسلب الاستقرار في المنطقة. هذه هي التهمة التي يلصقها الغربيّون والسعوديّة الآن أيضاً بإيران. لقد صرّح قائد الثورة الإسلامية بأنّنا لم نكن أبداً المبادرين لكنّ متى ما تمّ استفزازنا فسوف نردّ بقوّة. لذلك فإنّ عدم التّصعيد من قِبل إيران لا يعني ضعفنا. إيران رغم قوّتها لا تبادر إلى زعزعة الاستقرار ولذلك عندما فرض الآخرون أموراً من هذا القبيل على إيران قمنا بالرّد بقوة وسوف نردّ في المستقبل وهذا دليل قوّتنا. لكنّنا لم نستغلّ أبداً هذه القوة بشكل سلبي. 

٢- النقطة الثانية هي أنّ الإمام الخامنئي أشار إلى أنّ الثورة الإسلامية في إيران منذ البداية حتى اليوم لم تكن أبداً دمويّة وعديمة الرّحمة. هذا ردّ على منهجية جماعات إفراطيّة مثل داعش والتكفيريّين الوهابيّين الذين أظهروا للعالم الإسلام العنيف، والمتوحّش والمقزّز لكي يخوّفوا الناس حول العالم والمسلمين أيضاً من الإسلام الأصيل ويجعلوهم يشمئزّون منه ويحولوا دون أن تبلغ رسالة الإسلام مسامع الناس حول العالم. هذه نقطة بالغة الأهميّة ونحن ينبغي لنا أن نأخذ بعين الاعتبار في دعاياتنا وفي الدفاع عن الإسلام هذه النقطة بأن نبرّئ ساحة الإسلام من وحشيّة هؤلاء وأن نعلن للعالم أنّ مثل هذه الحركات لا علاقة لها بالإسلام.

٣- أعلن قائد الثورة الإسلامية في بيانه أنّ هدف الثورة الإسلامية هو خلق حضارة إسلامية والاستعداد لبزوغ شمس الولاية العظمى أي صاحب العصر والزّمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). هو موضوع بالغ الأهميّة وهو يعني أنّ أفكاراً عظيمة من قبيل توحّد العالم الإسلامي بالمعنى الحقيقي للكلمة وتأسيس أمّة واحدة ستتحقّق في عصر الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف). المسؤولية الملقاة على عاتقنا هي أن نمهّد الأرضية ونستعدّ لتلك المرحلة وهذا الاستعداد إنّما يتحقّق عبر خلق حضارة إسلامية. في الحقيقة ينبغي لنا أن نظهر الثقافة والقيم الإسلامية ونطبّقها في الحكومة الإسلامية لكي يقدم صاحب العصر والزّمان على نشر العدل الإلهي والحضارة الإسلامية في أرجاء العالم عندما يظهر من خلال الرّكيزة والأساس الموجود مسبقاً. 

٤- يقول الإمام الخامنئي بأنّ التجربة التي عرضتها الثورة الإسلامية كانت تجربة منقطعة النظير ولم يكن لها مثيل. في الحقيقة لم يُطوَ مسارٌ مشابهٌ من قبل الآخرين في السابق ولم يتمّ اختبار مسار تكون الثورة الإسلامية امتداداً له. هذه القضيّة إنّما تشير إلى النماذج الثورية والإسلامية التي شهدناها في التاريخ المعاصر ولعلّه كانت موجودة في القرون السابقة. حسناً من زاوية الثورات؛ شهدنا ثورات اشتراكية، وليبراليّة، وقوميّة ومطالبة بالاستقلال. قائد الثورة الإسلاميّة يؤكّد أنّ سنخيّة الثورة الإسلامية مغايرة بتاتاً لأيّ ثورة أخرى وهي تجربة جديدة وليست مبنيّة على أساس مسارات قطعها الآخرون. حتّى من قِبل الجماعات الإسلاميّة في العالم الإسلامي والتي لا يزال بعضها موجوداً رأينا أنّهم كانوا يقدّمون مناهج من أجل الكفاح والعمل. عندما يقول سماحته بأنّ منهجيّة الثورة الإسلامية في إيران هي منهجيّة تعتمد على ذاتها ولا علاقة لها بهذه المناهج وأساليب العمل التاريخيّة الموجودة، هذا يعني أنّه ينبغي أن تُطرح منهجيّتنا بمنتهى الشفافية للعالم وهذا الأمر يشكّل نقطة أساسيّة ومهمّة ضمن تحليل حركة الثورة الإسلامية. 
جميعنا نعلم بأنّه خلال الفترة التي تلت الحرب العالميّة الثانية كان يحكم العالم نظام ثنائيّ الأقطاب. لكنّ سماحة الإمام الخامنئي يعتقد أنّه بعد انتصار الثورة الإسلامية تحوّل هذا النظام ثنائيّ الأقطاب إلى نظام ثلاثيّ الأقطاب. هذا الأمر يثبت أنّ الشعار الذي كانت الجمهورية الإسلامية تطلقه وكان الشعب الإيراني يطلقه أيام الثورة الإسلامية أن لا شرقية لا غربية جمهورية إسلامية هو في الحقيقة يشير إلى هذا النظام ثلاثي الأقطاب حيث أنّ الجمهورية الإسلامية ليست تابعة لمحور الشرق وغير تابعة لمحور الغرب أيضاً وقدّمت نموذجاً مختلفاً عن القطبين الآخرين وتحوّلت إلى قوّة كبيرة لها اليوم قرار مصيري في العديد من الأحداث والتحوّلات. اللافت للنظر هو أنّه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي تحوّل هذا النظام ثلاثيّ الأقطاب إلى نظام ثنائي الأقطاب لكنّ هذين القطبين يختلفان عن قطبي مرحلة الحرب الباردة. في الحرب الباردة كانت الشيوعيّة تواجه الرأسمالية لكن في النظام ثنائي الأقطاب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بات الإسلام في مواجهة الاستكبار. هذا التعبير الرّائع يظهر سبب إصرار العالم الغربي والنظام الرأسمالي إلى هذا الحدّ على مكافحة ومواجهة الجمهورية الإسلامية. فالسبب أنّ هذا النظام يجسّد للعالم نموذجاً قويّاً لقطب يتضمّن قوّة جديدة.

٥- من ضمن الأمور الأساسيّة الأخرى للبيان هناك إشارة إلى ارتقاء ملحوظ في الرؤية السياسية لأفراد الشعب الإيراني نتيجة انتصار الثورة الإسلامية. الثورة الإسلامية في إيران لم تقم على أساس جهل الناس وإبقائهم في هذا الجهل بل على العكس، أساس الثورة الإسلامية كان علم، ووعي وبصيرة الناس وهي لا تخشى وعي الناس فقط بل تنظر إلى أنّ رسالتها تتلخّص في رفع مستوى وعي الناس إلى أعلى المستويات ولذلك نرى أنّ الشعب الإيراني طوال ٤٠ عاماً الماضية اتّخذ مواقف لامعة جدّاً في القضايا الدولية من قبيل فلسطين والأحداث خلال السنوات الأخيرة في المنطقة وبروز الجماعات التكفيرية الخطيرة و… كان لدى الشعب الإيراني إدراك صحيح لمسار الأحداث ولم يقع أسيراً للعمليّات والحرب النفسية الواسعة التي كانت تشنّها وسائل الإعلام الغربية والإقليمية. هذا الإنجاز الكبير جدّاً كان السبب في أن لا يستسلم الشعب الإيراني للمؤسسات الاستكبارية ولضغوطات الاستكبار العالمي.

٦- طرح قائد الثورة الإسلامية منذ عدة أعوام ثلاثة أسس جوهرية في السياسة الخارجيّة مبنية على العزّة، والمصلحة والحكمة حيث أنّ حكومة الجمهورية الإسلامية مكلّفة استناداً إلى هذه الأسس بتنظيم علاقاتها في الساحة الدّولية. تمّ في هذا البيان طرح مصاديق وفروع لهذه الأسس الثلاثة. ففي مجال العزّة يقصد سماحته العزّة الدّولية أي أنّ الشعب الإيراني شعبٌ عزيزٌ يرفض التسلّط ويقاوم الضغوط ولا يحني رأسه تعظيماً لأحد. ينبغي على الحكومة بصفتها ممثّلة للشعب أن تراعي هذا الأصل في سياستها الخارجيّة. يجب أن تتجلّى العزّة الوطنيّة في السياسة الخارجيّة وعلاقات إيران الخارجية مع سائر الدول، لا أن يكون الشعب متمتّعاً بالعزّة ثمّ تتّخذ الحكومة في مجال العلاقات الخارجيّة موقفاً يكون في موضع الضّعف.

٧- فيما يخصّ قضيّة الحكمة يشير الإمام الخامنئي أيضاً إلى العلاقات الخارجيّة. وهذا بمعنى أنّه رغم وجود انتقادات كبيرة لدينا موجّهة لنظام الاستكبار العالمي إلّا أنّ مصلحتنا ليست في أن نقطع علاقاتنا مع العالم بل يجب مع محافظتنا على علاقاتنا بسائر الدول أن تكون هذه العلاقات مبنيّة على أساس المصلحة والمحاقظة على المسافة مع العدوّ. أي يجب أن نكون على علم تماماً بمكان خطّ ومحور المواجهة والمتراس الأساسي في مواجهة العدوّ وأن نفصل بيننا وبين العدو. يطرح الإمام الخامنئي قضيّة وضع فاصل مع العدوّ في مبحث مصلحة النّظام. من مصلحة النظام أن تكون لنا حدود مع سائر البلدان لا أن نكتفي بالعموميّات ونطرح القضايا الهامّة بشكل مبهم بحيث لا يمكن تحديد العدوّ من الصّديق. ينبغي التخلّي عن المجاملة وفصل العدوّ عن الصديق بحكمة وشجاعة وتقديمه للناس والعالم لكي يعلم الجميع أنّ إيران لا تسعى لقطع العلاقات مع العالم بل هي سوف تتخذ موقفاً قويّاً وردود فعل تجاه عداء بعض الحكومات.

٨- من النقاط الهامّة الأخرى التي أشار إليها قائد الثورة الإسلامية في هذا البيان هو مفهوم نهضة الصحوة الإسلامية. منذ أوائل العام ٢٠١١ شهد العالم العربي أحداثاً جديدة وأطيح بعدّة أنظمة في تونس، ومصر واليمن وطرحت الجمهورية الإسلامية حينها قضيّة تسمية هذه الأحداث بالصّحوة الإسلاميّة. كان العديد من الأشخاص يعتبرون أنّ الصحوة الإسلامية إنّما هي جهود الشعوب المسلمة من أجل إقامة حكومة إسلامية لكن كانت لديهم انتقاداتهم بشأن تونس، ومصر، واليمن وليبيا و… حيث قالوا لم نرَ أنظمة جديدة تدّعي إقامة حكومة إسلامية وهذا ما دفعهم إلى الحديث حول أنّ الصحوة الإسلامية غير مطابقة لحقائق المشهد. يشير الإمام الخامنئي بمنتهى الشفافيّة إلى هذه النقطة بأنّ التحرّك الجديد الذي يحمل عنوان نهضة الصحوة الإسلامية نشأ استناداً إلى نموذج مقاومة الغطرسة الأمريكية والصهيونيّة. أي أنّ فحوى الصحوة الإسلامية من وجهة نظر سماحته هي صحوة الشعوب المسلمة من أجل مقاومة غطرسة السلطة الأمريكية والصهيونية وهذا تعريف جليّ وواضح ينطبق على التحوّلات الإقليميّة. لذلك يجيب هذا الأمر على الشبهة التي كان قد أوردها البعض حول المفهوم الدقيق للصحوة الإسلامية.

٩- يمكن إجراء تحليلات والحديث على مدى ساعات حول قضيّة انهزام السياسات الأمريكية في غرب آسيا وفشل أعوان أمريكا. النقطة الهامّة تقع في أنّه مع بدايات انتصار الثورة الإسلامية عندما كانت الثورة الإسلامية لا تزال حديثة العهد، كانت زمام أمور المنطقة بيد أمريكا وعمّالها. وكانت الجمهورية الإسلامية ضمن سياسات عملهم في المنطقة. في الحقيقة لقد كان إمساكهم بزمام الأمور يجعل إيران قادرة فقط على الرّد على ممارساتهم من الناحية الدفاعية. وهذا ما تسبب بأن نتلقّى الهجمات داخل حدودنا. كانت هناك تحدّيات عديدة. الأمريكيّون كانوا يعملون على إحداث انقلاب داخل إيران أو هل كانت بالفعل لدى الجمهوريّة الإسلامية مصلحة بإقامة علاقة مع أمريكا وبوجودة سفارة أمريكية في إيران أم لم تكن هناك مصلحة؟! نظراً للتجارب المتوفّرة فيما يخصّ تدخّل أمريكا في شؤون الشّعوب وإشعال الانقلابات فيها، تمّ طرح موضوع استمرار عمل السفارة الأمريكية في إيران الذي لم يكن منسجماً مع أمن الجمهورية الإسلامية الوطني. 
كما أنّ السفارة الصّهيونيّة أُغلقت في بدايات انتصار الثورة الإسلامية لأنّ وجود سفارة الكيان الصّهيوني في إيران لم يكن ينسجم مع ماهيّة الجمهورية الإسلامية في إيران ولهذا السبب فإنّ الجمهورية الإسلامية سلّمت هذه السّفارة لممثّلي الحكومة الفلسطينية وأُطلق عليها اسم سفارة فلسطين. حتّى أنّ الساحة والشارع المواجهين للسفارة أطلق عليهما اسم فلسطين.
كانت هذه التحدّيات موجودة منذ انطلاق الثورة الإسلامية والحرب التي فرضها صدّام أيضاً جعلت إيران تُستهدف من الداخل لكن بعد مرور أربعين عاماً نرى اليوم وجود تحدّيات حول قوّة إيران خارج حدودها. التحدّي الذي يواجهه الكيان الصهيوني اليوم فيما يخصّ إيران هو حضور إيران القوي في فلسطين، ولبنان وسوريا. فلتنظروا من أين بدأنا وأين وصلنا. حتّى تلك الاتهامات التي يطلقها الغربيّون حول نفوذ إيران في اليمن، والعراق و… أو أوسع من هذا الحدّ الحديث عن نفوذ إيران في فنزويلا وعلاقات إيران الواسعة مع عدّة بلدان أمريكا اللاتينيّة مثل كوبا وبوليفيا و… تثبت مدى قوّة ونجاح الجمهورية الإسلاميّة في إيران في مجال إلحاق الهزيمة بالسياسات الأمريكيّة إن كان داخل إيران أو في بلدان أمريكا اللاتينيّة. 

نموذجٌ آخر أشار إليه الإمام الخامنئي هو التحدّي الذي خلقته إيران لأمريكا وحلفائها خاصّة الكيان الصهيوني. خلال فترة الحرب المفروضة كان التحدّي منع بيع السلاح إلى إيران وقد تقدّموا في هذا الأمر إلى حدّ أنّه كان يتمّ منع إيران من شراء الأسلاك الشائكة -التي كانت مجرّد وسيلة دفاعية ولم يكن بالإمكان أبداً التخطيط لأيّ نوع من أنواع الهجوم-. وبلغ الأمر حدّ ممارستهم الضغط على الشركات اليابانيّة كي تتجنّب بيع السيارات اليابانيّة لإيران، لأنّنا كنا نستفيد من هذه السيارات في الحرب. أي أنّ التحدّي في ذلك الزمان كان قد بلغ هذا الحدّ. لكنّ قوّة الجمهورية الإسلامية اليوم قد توسّعت لدرجة أنّ التحدّي الذي تواجهه أمريكا ومعها الكيان الصهيوني اليوم هو كيف نمنع بيع الأسلحة المتطوّرة المصنّعة من قبل إيران إلى جماعات المقاومة. يوماً ما كان الكيان الصّهيوني يعتبر إرسال أيّ سلاح متطوّر لحزب الله خطّاً أحمر يدفعه لاتخاذ موقف حياله.  وقد بلغ الأمر اليوم بهم أنّهم يطرحون خطوطاً حمراً أشمل من ذلك.
الكيان الصهيوني يصنّف تواجد إيران في المنطقة وخاصّة في سوريا خطّاً أحمراً أكبر. يتحدّث قائد الثورة الإسلامية حول انهزام السياسات الأمريكية في بداية الثورة الإسلامية حيث كانت الأوضاع على هذا النّحو بأنّ أمريكا حاولت باستخدامها لعدد من الأشخاص الإيرانيين من الذين باعوا أنفسهم إحداث انقلاب  وكانت تظنّ أنّها بإحداث انقلاب شبيه بانقلاب ٢٨ مرداد (١٩ آب ١٩٥٣) قادرة على الإطاحة بالثورة الإسلاميّة؛ لكن اليوم وبعد مرور أربعين عاماً بلغت الأوضاع حدّاً تفكّر فيه أمريكا بأنّها غير قادرة لوحدها على فعل شيء فيما يخصّ التصدّي لإيران وتسعى لتشكيل حلف من أجل ذلك. أمريكا تعمل على تشكيل حلف كبير يضمّ الدول الغربية والعربية المعاندة وتسعى لتأسيس حلف قويّ ضدّ إيران. هذه القضيّة تشكّل أكبر دليل على نجاح نظام الجمهورية الإسلامية بحيث أنّه انتقل من تلك الحالة في بداية الثورة إلى مكان تحتاج فيه أمريكا بكلّ قوّتها إلى تشكيل حلف ضدّ إيران. من وجهة نظر الإمام الخامنئي فإنّ كلّ هذه النجاحات تحقّقت بناء على عزّة الجمهورية الإسلامية وبإدارة المدراء الجهاديّين. أي إذا أردنا أن نواصل مسار الأربعين عاماً هذا الذي بلغ بالعزّة والحكمة مكاناً يجعل إيران إحدى أبرز القوى في المنطقة ينبغي أن تحكم الإدارة الجهاديّة علاقاتنا الخارجيّة كما كان الحال قبل أربعين سنة وأن تكون السياسة الخارجيّة جزءاً من سياساتنا بصفتنا نظاماً ثوريّاً ينبغي له أن يتصرّف بناء على العزّة والحكمة والمصلحة. 
فيما يخصّ وضع الحدود بصراحة وشفافية أشار سماحته إلى هذه النقطة بأنّه إضافة لأمريكا المجرمة توجد أيضاً دول أوروبيّة وغربيّة مخادعة ولا يُمكن الوثوق بها. لطالما عمل نظام الجمهوريّة الإسلامية على إثبات كون النظام الأمريكي نظاماً مخادعاً. كثيرون كانوا يشكّكون بهذا الأمر وكانوا يصنّفون هذه القضيّة على أنّها نوع من أنواع الإفراط في السياسة الخارجيّة لإيران لكن مع مجيء ترامب اتّضحت خصائص أمريكا لدرجة أنّه لم تعد هناك حاجة لجلب الأدلّة على ماهيّة أمريكا الخداعيّة. لقد قطعنا الآن خطوة إلى الأمام وتخطّينا هذه القضيّة. بعض الدول الأوروبيّة مثل بريطانيا، وفرنسا وألمانيا أيضاً مخادعون ويعملون على إظهار صورة أخرى لأمريكا كي يستجلبوا بذلك ثقة مسؤولي الجمهورية الإسلاميّة.
طرحت السيّدة ميركل منذ مدّة في مؤتمر ميونيخ نقطة هامّة وقالت بصراحة أن ليس هناك خلاف استراتيجي بين الدول الأوروبيّة والأمريكيّة بشأن إيران بل هناك اختلاف تكتيكي بشأن كيفيّة التعامل مع إيران. برأيي هذا أكثر تصريح صريح يشكّل اعترافاً لشخصيّة أوروبيّة حيث أنّهم رغم ادعائاتهم بشأن انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي أو السياسات الإفراطيّة إن كان تجاه إيران أو فيما يخصّ العديد من الاتفاقيات الدولية التي انسحبت منها أمريكا فإنّهم ينظرون إلى الأمر على أنّه اختلاف تكتيكي. لا يمكن أيضاً الوثوق بمجاراة الأوروبيّين. ففي أيّ لحظة يمكن أن ينتقلوا إلى اتخاذ موقف موحّد مع أمريكا وهذه القضيّة ينبغي أن تكون ملحوظة من قبل دبلوماسيّينا والذين يستلمون زمام أمور سياساتنا الخارجيّة.

١٠- النقطة الأخيرة التي ينبغي عليّ طرحها هي أنّ الإمام الخامنئي طرح في بيان الخطوة الثانية قضيّة هامّة تتناول ضرورة عدم الخوف من تهديدات الأمريكيّين وحتّى بعض الدول الأوروبيّة. هؤلاء يحاولون في الحقيقة خلق حرب نفسيّة كي يتمكّنوا من التأثير على مسار اتخاذ مسؤولي الجمهورية الإسلامية للقرارات. أمريكا ليست في وضع يخوّلها شنّ حرب على إيران. أمريكا اليوم نتيجة للحروب التي أشعلتها في المنطقة وحسب اعتراف ترامب أنفقت حوالي ٧ تريليون دولار دون أن تجني أيّ مكسب. ولذلك فإنّ تهديدات الأمريكيّين فارغة لكنّهم يشنّون بواسطة هذا الأمر حروباً نفسيّة. ينبغي على مسؤولي الجمهورية الإسلامية أن يعوا كون هذه التهديدات فارغة. أمريكا ليست في وضع يخوّلها تنفيذ هذه التهديدات ومن جهة أخرى ينبغي أن لا نتراجع تحت تأثير هذه الحروب النفسيّة. أمريكا أظهرت لنا أنّه لو تراجعنا خطوة فسوف لن ترضى بذلك. أمريكا في واقع الأمر لا تردّ على حسن النوايا بحسن النوايا بل تنظر إلى ذلك كضعف. يؤكّد قائد الثورة الإسلامية على هذه النقطة بأنّ نظام الجمهورية الإسلامية لا ينبغي أن يتراجع عن مواقفه الثوريّة وفي النهاية يشير سماحته إلى أنّه لا يعارض التفاوض مع الأوروبيّين لكن فيما يخصّ أمريكا هو يعارض إجراء أيّ تفاوض معها. في الحقيقة فإنّ أساس التفاوض مع أمريكا دون أخذ نتائجه بعين الاعتبار سيحمل عواقب خطيرة.

 

*إنَّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي موقع arabic.khamenei.ir