إذا أردناي أن نجيب بدقّة عن سؤال «في أيّ وضع نحن؟»، فلا بدّ أن نرسم صورة أشمل لما حدث وما يحدث. بحسب قناعتي، إنّ نظرةً جامعة إلى حرب الأيام الاثني عشر وربطها بالظروف الراهنة تُظهر بوضوح أنّنا ما نزال في صلب حرب. حرب لم تنتهِ بسلام، ولا حتى بوقف إطلاق نار بالمعنى القانوني والسياسي الدقيق. ما حدث كان مجرّد وقفٍ متبادلٍ لإطلاق النار؛ بلا اتفاق مكتوب، وبلا آلية رقابية، وبلا تعهدات مُلزِمة. لذلك إنّ تصوّر الخروج من حالة الحرب خطأ تحليلي. نحن لا نزال في صلب الحرب، وهذه الحقيقة تفرض متطلّباتها الخاصة.
الدولة التي تكون في حالة حرب لا يمكن وينبغي لها ألا تخلق في الوقت نفسه، وبيدها، أزمة جديدة في الداخل. مثل هذا الفعل لا هو عقلائي ولا مقبول شعبيًا. إذا تشكّلت أزمات من هذا النوع، فيجب الإقرار بوجود عامل أو تصميم خارجي. كما تُظهر التجارب السابقة أنّ العدو، ولا سيّما الكيان الصهيوني، استخدم دائمًا في الحروب نمطًا متكرّرًا: إحداث «مفاجأة» عبر تغيير التكتيك. في حرب الأيام الاثني عشر، بدؤوا بعملية عسكرية واسعة، ثم من اليومين الثاني والثالث فصاعدًا سعوا بوضوح إلى نقل الأزمة إلى داخل المجتمع. كانت الدعوات المباشرة لجرّ الناس إلى الشوارع جزءًا من هذه الاستراتيجية: ضغط عسكري أولًا، ثم انفجار اجتماعي.
أمّا في المرحلة الراهنة، فإنّ الحرب نفسها تتواصل بتشكيل مختلف. هذه المرّة تبدّلت المقدمة والنهاية: تبدأ الأزمة الاجتماعية أولًا، ثم تُبذل محاولة لربطها بإجراء عسكري. بل كشفت بعض التصريحات المتسرّعة والصريحة لمسؤولين أمريكيين، ولا سيّما دونالد ترامب نفسه، من دون قصد هذا التحوّل التكتيكي؛ وهو ما كان نتنياهو قد أوحى به في لقاءاته السابقة. بعبارة مبسّطة، أدرك العدو أنّ التكتيك السابق فشل بسبب حضور الناس والانسجام الاجتماعي، فاستهدف هذه المرّة نقطة قوّتنا: الوحدة الوطنية.
هنا لا بدّ من إجراء تمييز واضح. لا شكّ في أنّ البلاد تواجه مشكلات اقتصادية جدّية. الضغط المعيشي دفع شريحةً من المجتمع إلى الاحتجاج، وهذا الاحتجاج في ذاته أمر مفهوم. كما أُكّد، على الحكومة والمؤسّسات المعنيّة أن تُصغي، وأن تجلس للحوار، وأن تعمل على المعالجة الجذرية للمشكلات الاقتصادية. لكن في الوقت نفسه ينبغي الانتباه إلى الكيفية التي يحاول فيها العدو استغلال هذا الأساس الواقعي والمشروع استغلالًا منحرفًا.
ما حدث في الأيام الأخيرة أظهر بوضوح أنّ هناك حدًّا فاصلًا بين الاحتجاج الاقتصادي والأفعال العنيفة. احتجاج السوق الذي يتحدّث عن الغلاء واضطراب الأسعار شيء، واستخدام الأسلحة النارية وقنابل المولوتوف والحرق والنهب والهجوم على المراكز العامة والأمنية شيء آخر. لا يمكن تفسير هذه الأفعال بوصفها احتجاجًا اقتصاديًا. إنّها مؤشّر إلى نشاط مجموعات يمكن وصفها بـ«مجموعات شبه إرهابية في المدن»؛ مجموعات سبق أن صرّح بعض مسؤولي الكيان الصهيوني صراحةً بالاعتماد على «بُنى أُنشئت داخل إيران».
كما إنّ أهداف هذه الأفعال ليست عشوائية. رُموز الهوية الوطنية والدينية تُستهدف على نحو مقصود: العلَم الإيراني، رموز المقاومة، المساجد، وما يمثّل الكبرياء الوطني والانسجام الثقافي كله. هذا يعني أنّ الهدف ليس مجرّد خلق سخط اقتصادي، بل كسر الروح الجماعية وتمزيق الروابط الهويّاتية في المجتمع. حتى نهب المتاجر وتخريب مراكز الخدمات دليل بحدّ ذاته على أنّ المسألة ليست اقتصادية؛ لأنّ من يقلقه العيش لا يدمّر بُنى معيشته ومعيشة الآخرين.
يجب القول بصراحة: إنّ الأزمة الأمنية لا تحلّ مشكلةً، بل تعمّق المشكلات الاقتصادية وتزيدها تعقيدًا. المجتمع الذي يغرق في انعدام الأمن يعجز حتى عن ممارسة أنشطته اليومية. مثل هذا الوضع لا هو تعاطف مع الناس ولا هو مساندة لهم؛ بل سلوك ظالم يستهدف في آنٍ واحد الهوية الوطنية، والانسجام الاجتماعي، والمعتقدات الدينية، ومعيشة الناس.
استنادًا إلى الشواهد الاستخبارية والتحليل السلوكي، فإنّ الدور المحوري للكيان الصهيوني، بدعم وتوجيه من أمريكا، في هذا التصميم لا يمكن إنكاره. هذا لا يعني تجاهل نقاط الضعف والقصور الداخلية. الأرضية الداخلية موجودة، وإذا لم تُصلَح فستُستغلّ دائمًا. لكنّ إنكار التصميم الخارجي سيكون خطًا استراتيجيًا.
مع ذلك، إنّني أعتقد أنّ هذا المشروع أيضًا سيؤول إلى الفشل، كما فشل المشروع السابق. المجتمع الإيراني يعود سريعًا إلى الانسجام في المنعطفات التي يُهدَّد فيها الكيان الوطني والهوية الجماعية. لم يعرف العدوّ الشعب الإيراني على نحو صحيح. يتوهّم أنّه يمكن عبر بعض الاضطرابات في المدن والعمليات الإرهابية دفع المجتمع إلى حرب أهلية، ثم فتح الطريق أمام تدخّل خارجي. لكنّه يتجاهل حقيقتين: الأولى، اليقظة التاريخية للشعب الإيراني؛ والثانية، الجهوزية العالية للقوات المسلحة.
تتمتّع القوات المسلحة في البلاد اليوم بجهوزية أعلى مقارنة بالماضي، وسيُواجَه أيّ اعتداء خارجي بردّ حاسم. إلى جانب ذلك، يؤدّي دور التوعية والحوار مع الناس دورًا مصيريًا. على الإعلام والمؤسّسات المدنية والمسؤولين أن يبيّنوا الصورة الحقيقية للمشهد، وألّا يسمحوا للروايات المحرّفة التي تروّج لها شبكات مثل «إيران إنترناشيونال»، التي أُنشئت - وفقًا لمعلومات دقيقة - على يد الكيان الصهيوني، بأن تسمّم الفضاء النفسي للمجتمع. هذه الشبكات، التي تعمل في خدمة مشروع العدوّ، تسعى إلى تقديم صورة مبالغ فيها ومنهارة عن البلاد، في حين أنّ الواقع ليس كذلك.
في هذا السياق، يجب ألّا تُنسى نقطة أساسية: الاستقلال. لا توجد أيّ قوة خارجية حريصة على مصلحة الشعب الإيراني. تُظهر التجارب التاريخية، من عهد بهلوي إلى النماذج المعاصرة في المنطقة، بوضوح أنّ المقايضة على الاستقلال تفضي إلى خسارة كلّ شيء. إنّ الاستقلال مكلف، ولكن لا معنى للعزّة الوطنية من دونه. لا يعني هذا الاستقلال العزلة، بل يعني حقّ اتّخاذ القرار المستقل ضمن إطار العلاقة مع العالم.
في الختام، ينبغي في المرحلة الراهنة سلوك مسارين في آنٍ واحد: من جهة، صون الأمن والانسجام الوطني في مواجهة المشاريع التخريبية؛ ومن جهة أخرى، إجراء إصلاحات حقيقية في مجال الاقتصاد والحُكم. يجب أن يشعر الناس بأنّ صوتهم مسموع وأنّ لهم دورًا في اقتصاد البلاد. في مجال تقليص تدخّل الدولة وتفويض الشؤون إلى الناس، ينبغي للحكومة أن تخطو خطوات كبيرة لتعديل أوضاع الإدارة وتوفير الإمكانات للناس.
تشكل هذه المرحلة امتدادًا للحرب نفسها، ولكن بتكتيك مختلف. يتطلّب تجاوزها اليقظة نفسها، وتحمل المسؤولية، والانسجام ذاته الذي أظهره الشعب الإيراني في حرب الأيام الاثني عشر. إذا حُفظ هذا الرصيد الاجتماعي، فإنّ هذه المرحلة أيضًا، بصعوباتها كافة، ستتحوّل إلى فرصة للنضج وتقوية البلاد.