الكاتبة: مائدة زمان فشمي

كانت ممرضة. أمّ لطفلة في الثالثة من عمرها. يروي زملاؤها عن طيبتها اللامحدودة وعن التزامها الذي امتزج بحياتها حتى اللحظة الأخيرة. التزامٌ متجذّر إلى حدّ أنّه، حتى عندما اجتاحت ألسنة النار عيادة الإمام سجاد (ع) في مدينة رشت، لم يمنعها من الوقوف إلى جانب مرضاها. كان هذا الوفاء ذاته هو ما خلّد اسمها بلقب شهيدة. أتحدث عن مرضية نبوي ‌نيا؛ الممرضة الشابة من مدينة رشت التي احترقت حيّة في نار الحقد والكراهية التي أشعلها مثيرو الشغب المسلّحون، ومع ذلك يظلّ نور ذكراها مضيئًا.

كان ذلك في الثامن من كانون الثاني/يناير 2026؛ عندما خرج مثيرو الشغب المسلّحون إلى الشوارع بدعمٍ علني من مسؤولين أمريكيين وبالاستناد إلى وعود بتدخّل عسكري. كانت لديهم أوامر بتخريب كلّ شيء. لم يكن لديهم أيّ فرق بين مريض ومستشفى وممرضة. تمامًا كما يفعل أسيادهم في جرائم غزّة، حيث لا يرحمون حتى المستشفيات وسيارات الإسعاف، هاجم هؤلاء أيضًا مركز الإمام سجاد (ع) الطبي في رشت وأضرموا فيه النيران.

كانت مرضية - تلك الممرضة المضحية - في قلب هذا المشهد المروع. وبينما كان الحريق والدخان يكتسحان المكان، اختارت البقاء. لم تقبل ترك مرضاها لإنقاذ نفسها. ويُقال إن النار وصلت إلى غرفة عملها وانسدّ طريق الهروب. لم تمنحها النار القاسية والجامحة فرصة لأي حركة. احترقت مرضية حيّة في نيران حقد العدو واستشهدت. ترى أخت الشهيدة، بقلبٍ ملؤه الحزن والفخر، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مسؤولًا عن هذه الجريمة، وتقول: «ترامب هو قاتل أختي».

قال الإمام الخامنئي في لقائه مع مختلف فئات الناس في مناسبة ذكرى عيد المبعث النبوي الشريف، في 17/1/2026: «أمّا ما ميّز هذه الفتنة تحديدًا، فهو أنّ شخصَ الرئيس الأمريكي نفسه، هو شخصيًا، تدخّل فيها؛ صرّح وأبدى مواقف وهدّد وشجّع مثيري الفتنة. أرسل رسائل من أمريكا إلى هؤلاء الأشخاص - الذين سأبيّن لاحقًا من كانوا - قال لهم: تقدّموا، تقدّموا إلى الأمام، لا تخافوا. قال: نحن ندعمكم، وسنقدّم دعمًا عسكريًا. أي إنّ الرّئيس الأمريكي نفسه دخل في الفتنة وأصبح جزءًا منها».

في تاريخ إيران المليء بالتقلبات، استهدف الأعداء دائمًا النظام الإسلامي الإيراني تحت شعارات خادعة للدفاع عن حقوق المرأة. لكن واقع أفعالهم ينفي هذا الادعاء تمامًا. هل الهجوم على مركز طبي وحرق ممرضة ووالدة يمثل دفاعًا عن حقوق النساء؟ لا نزال نتذكر أنه قبل ثلاث سنوات، خرجوا إلى الشوارع بنفس الشعارات ذات المظهر النسوي، لكن عنفهم كشف عن أهدافهم الحقيقية المتمثلة في إسقاط النظام. في كل مرة تظهر جبهة جديدة من الصراع ضد الجمهورية الإسلامية، يتم تقديم عنصر أساسي منها على أنه قضية «حقوق المرأة». وفي أيام الاضطرابات الأخيرة في إيران، كانت بين المتابعين الأجانب هذه الملاحظة المتداولة: «كلّما أصبح الغربيون مهتمين فجأة بحقوق نساء الشرق الأوسط، تصبح هؤلاء النساء على وشك التعرّض للقصف»[1]. فكيف يمكن تصديق أن دعاة حقوق الإنسان الزائفين في الغرب، الذين لديهم سجل طويل في تجاهل حقوق النساء داخل بلادهم وخارجها، يمكن أن يكونوا حريصين على نسائنا؟!

كما قال الإمام الخامنئي في لقاء جمع من النساء من أرجاء البلاد، في 17/12/2024: «يتدخل الرأسماليون والسياسيون في العالم في قضية المرأة أيضاً ... إنهم يملكون أكثر وسائل الإعلام تأثيراً في العالم ويتقنون لغة الإعلام أيضاً. إنّ دافعهم، أي دافع السياسيين والرأسماليين في العالم، في التدخل في قضية المرأة ليس دافعاً نظرياً أو فلسفياً... ليس هناك أيضاً شعور إنساني؛ ليس الأمر أنهم شعورهم بأن المرأة قد استضعفت في بعض الحالات حول العالم ويريدون دعمها، وأنّ مشاعرهم الإنسانية في حالة غليان؛ كلّا، هذا ليس هذا أيضاً. كما إنه ليس من باب أداء واجب اجتماعي وشعبي... الدافع هو السطو السياسي والاستعماري. يدخلون في هذه القضية لكي تكون مقدمة وساتراً لزيادة السطو والتدخّل والتوسع في مناطق نفوذهم».

لا الجيوش الإعلامية الغربية التي ترفع اليوم راية الدفاع عن حقوق النساء الإيرانيات، ولا المشاة الإرهابيون التابعون لها في مدن إيران، أيٌّ منهم يحمل همّ حقوق النساء. ولو كان لديهم هذا الهمّ، لأظهروا على الأقلّ ردّ فعل تجاه حرق مرضية نبوي‌ نيا حيّة، ولما قبلوا أدنى ادّعاء حقوق النساء الصادر عن داعمي نظام قتل في سنتين ونصف عشرات الآلاف من النساء وجعل حياة مئات الآلاف الأخريات صعبة لا تُطاق.

لكن مرضية نبوي نيا لا مكان لها في رواياتهم، لأنها واحدة من ملايين النساء المسلمات اللواتي قبِلن منطق الإسلام في مسألة الحجاب والحريات الاجتماعية، وتعلمت في بلد يحكمه نظام الجمهورية الإسلامية، وأصبحت أمّاً، وعملت، وضحّت واستشهدت. مرضية نبوي نيا ليست مكمّلة للرواية الغربية عن المرأة الإيرانية، لذا يجب نسيان اسمها في هذه الروايات!

بيد أنّ مرضية نبوي نيا حلقة مضيئة ضمن سلسلة طويلة من النساء الباسلات في هذا الوطن. من مرضية حديدتشي (دباغ) في أيام الكفاح ضد الطاغوت، التي حملت السلاح لتبقى الثورة، وصولاً إلى مرضية نبوي نيا في وطن اليوم، التي لم تتخلَّ عن موقعها في ساحة الخدمة وهي ترتدي زي التمريض. نحن أيضاً لن نتخلى عن أسماء هؤلاء، ونرفع اسمها بصوت عالٍ: «مرضية نبوي نيا».