في عالمٍ غالبًا ما تبقى فيه العدالة تحت ظلّ القوة، تثير ملفات مروّعة مثل سجن سدي تيمان (Sde Teiman) في "إسرائيل" وشبكة جيفري إبستين (Jeffrey Epstein) في الولايات المتحدة تساؤلاتٍ عميقة. هاتان الفضيحتان الخطيرتان والصادمتان، تبدوان في الظاهر منفصلتين إحداهما عن الأخرى، لكنهما في طبقات أعمق تشكّلان فروعًا لبنيةٍ مشتركة. بنيةٌ توظّف الاستغلال الجنسي أداةً للسيطرة والتستّر. تتناول هذه المقالة دراسة أوجه هذا التداخل، استنادًا إلى الشواهد المتاحة، وبالاعتماد على الوثائق والتقارير المنشورة من مصادر رسمية.
ما حدث في سدي تيمان
يُعدّ سجن سدي تيمان، وهو مركز عسكري في جنوب إسرائيل، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 مكانًا لاحتجاز الأسرى الفلسطينيين من غزة. وقد وصفت تقارير الأمم المتحدة (OHCHR, 2024) في أغسطس/آب 2024 هذا الموقع بأنه رمزٌ لـ«التعذيب الممنهج». يعيش المعتقلون، وكثيرٌ منهم محتجزون من دون توجيه تهمٍ رسمية، في ظروفٍ لا إنسانية: ساحاتٌ شبيهة بالأقفاص (cage-like enclosures) تُحاصرهم كما لو كانوا حيوانات (OHCHR, 2024)، استخدامٌ دائم للأصفاد وعُصَب الأعين، حرمانٌ من الوصول إلى المراحيض وإجبارهم على ارتداء حفاضات للكبار (adult diapers) بقصد إذلالهم وإخضاعهم - حتى في الحالات التي يكون فيها المعتقلون مصابين أو غير مقيَّدي الحركة - فضلًا عن سائر أشكال المعاملة المهينة (OHCHR, 2024; B’Tselem, 2024). ومع ذلك، فإن ما يجعل هذا الملف أكثر بروزًا هو الاتهامات الواسعة المتعلقة بالاغتصاب وممارسات العنف الجنسي الوحشي.
في يوليو/تموز 2024، نُقل معتقلٌ فلسطيني إلى المستشفى مصابًا بجراحٍ خطيرة - من بينها تمزّق في الأمعاء، وإصابة شرجية، وكسور في الأضلاع، وثقب في الرئة - عقب تعرّضه لاغتصاب جماعي على يد جنود من الوحدة 100 في الجيش الصهيوني (Times of Israel, 2025). وأظهر مقطع مصوّر من كاميرات المراقبة، بثّته "القناة 12" العبرية في أغسطس/آب 2024، مشهدًا صادمًا: جنودٌ يقفون خلف دروع مكافحة الشغب يطوّقون المعتقل ويعتدون عليه (BBC, 2025; CNN, 2025). وقد كشفت هذا الفيديو ييفعات تومر-يروشالمي (Yifat Tomer-Yerushalmi)، المدعية العسكرية العامة في الكيان، مما أدى إلى اعتقال خمسة جنود (PBS, 2025).
غير أنّ ردّ الفعل الرئيسي لدى شريحة من المجتمع والحكومة في "إسرائيل" لم يكن إدانة الجريمة، بل الاحتجاج على كشفها. فقد وصف رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتنياهو، هذا الكشف بأنه «أخطر هجوم دعائي ضد "إسرائيل"» (Times of Israel, 2025).[1]
كما كشف لقاءٌ أجرته "القناة 14" العبرية في أغسطس/آب 2024 أبعاد هذا المناخ بوضوح أكبر. إذ ظهر مئير بن-شيتريت (Meir Ben-Shitrit)، أحد المتهمين، في برنامج مباشر واصفًا نفسه بـ«البطل»، وقال: «لقد دافعنا عن أنفسنا ونستحق الشكر» (Mondoweiss, 2024). فيما برّر متهمون آخرون أفعالهم تحت عنوان «الأمن القومي». في المقابل، تقدّم التقارير المستقلة صورةً مغايرة. فقد نشرت مؤسسة B’Tselem لحقوق الإنسان في تقريرها «مرحبًا بكم في الجحيم» (Welcome to Hell, 2024) شهادات معتقلين مُفرج عنهم تحدّثوا فيها عن صعقٍ كهربائي للأعضاء التناسلية، وحرقٍ بالسجائر، وإطلاق كلابٍ عليهم، واغتصابٍ ممنهج (B’Tselem, 2024). كما أعلنت الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 53 معتقلًا لقوا حتفهم نتيجة هذه الممارسات (OHCHR, 2024).
وعلى الرغم من تبرير هذه الأفعال من قِبل الجيش الصهيوني في إطار «الحرب على الإرهاب»، فإن الأدلة المنشورة تشير إلى نمطٍ ممنهج. فمحدودية الملاحقات القضائية - خمسة متهمين فقط من بين مئات الحالات المبلّغ عنها - والتركيز على المُبلِّغ، الذي أفضى إلى استقالة تومر-يروشالمي واعتقالها، يثيران تساؤلات جدّية حول مسار المحاسبة. فإذا كان الهدف هو تحقيق الأمن، فلماذا لا ينصبّ التركيز الأساسي للتحقيقات على الجرائم نفسها؟ هذا التناقض، في ما يبدو، جزءٌ من بنيةٍ أوسع تتقدّم فيها السلطة على العدالة وحقوق الإنسان.
من جزيرة إبستين الخاصة إلى العلاقات المخفيّة
كان جيفري إبستين، الأمريكي الثري الذي توفّي عام 2019 في ما وُصف بأنه انتحار داخل سجنٍ فيدرالي، يدير شبكةً للاتجار الجنسي. وقد ارتبط بعددٍ من نخب العالم - من سياسيين إلى أمراء - وكان يقيم حفلات في جزيرته الخاصة «ليتل سانت جيمس» (Little Saint James) ارتبطت باتهاماتٍ واسعة بالاستغلال (U.S. Department of Justice, 2026). غير أنّ الأبعاد الأكثر خفاءً في هذه القضية تعود إلى علاقاته بـ"إسرائيل" والادعاءات المتصلة بأنشطةٍ استخبارية.
تشير وثائق وزارة العدل الأمريكية (DOJ) الصادرة في فبراير/شباط 2026 إلى علاقاتٍ طويلة بين إبستين وإيهود باراك (Ehud Barak)، رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق: أكثر من خمسة عشر عامًا من الصداقة، ولقاءات متكرّرة في شقته بمانهاتن، بل وتقارير عن إقامة ضباط استخبارات إسرائيليين في منزل إبستين (Al Jazeera, 2026a, Anadolu Agency, 2026). وكان باراك، ذو الخلفية العسكرية والاستخبارية، مستشارًا لإبستين. كما قدّم إبستين تبرعاتٍ لجهاتٍ مثل «أصدقاء "جيش الدفاع الإسرائيلي" (FIDF)» و«الصندوق القومي اليهودي (JNF)»؛ فعلى سبيل المثال، تبرّع عام 2005 بمبلغ 25 ألف دولار لـFIDF و15 ألف دولار لـJNF (Anadolu Agency, 2026; Al Jazeera, 2026b). كما تشير مذكرة صادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عام 2020، كُشف عنها في 2026، استنادًا إلى مصدرٍ سري، إلى أن إبستين «كان يتلقى تدريبًا على يد باراك ويعمل جاسوسًا للموساد»، وأنه استخدم شبكته الجنسية لجمع المعلومات وممارسة الابتزاز (Middle East Eye, 2026; Anadolu Agency, 2026).
وفي مقابلةٍ مع NBC في فبراير/شباط 2026، صرّح باراك: «أندم على معرفتي به، لكنني لم أرتكب خطًا» (NBC News, 2026). كما رفض بنيامين نتنياهو هذه الادعاءات، قائلًا إن قرب إبستين من باراك يدلّ على أنه لم يكن يعمل لمصلحة "إسرائيل" (Times of Israel, 2026). ومع ذلك، تزعم بعض التقارير، من بينها ما نشره موقع (2026) Drop Site News، أن إبستين وباراك كانا يروّجان لتقنيات تجسّس إسرائيلية - جرى اختبارها سابقًا على الفلسطينيين - في نيجيريا. وتشمل هذه التقنيات أدوات مراقبة وتَحكّم، يُقال إنها تتشابه مع التقنيات المستخدمة في السجون الصهيونية (Drop Site News, 2026; Al Jazeera, 2026c).
في هذا الإطار، ترى بعض التحليلات أن الجريمة الجنسية الوحشية في كِلا الملفّين استُخدمت أداةً للسلطة: ففي قضية إبستين للابتزاز والسيطرة على النخب، وفي سدي تيمان لإذلال المعتقلين وإخضاعهم. كما يُشار إلى أنماطٍ متشابهة من التستّر: فقد أوقفت وفاة إبستين مسار التحقيقات، وفي سدي تيمان انصبّ التركيز القضائي على المُبلِّغ، وتعرّض كاشف المعلومات للعقاب.
دور الموساد والتستّر الممنهج
مراجعة الأدلة المنشورة تُظهر أن هذين الملفين، إلى جانب أوجه الشبه الظاهرية، يُعدّان - في رأي بعض المحللين - قابلين للمقارنة على مستوى أعمق. وهذه الروابط المخفية يمكن تحليلها استنادًا إلى وثائق وتقارير رسمية، لا إلى مجرّد تكهّنات. فقد طُرح في كِلا السياقين نمطُ استخدام الجريمة الجنسية الوحشية أداةً للسيطرة وممارسة النفوذ.
في قضية إبستين، أدّت وفاته في السجن عام 2019 - التي أُعلنت رسميًا «انتحارًا» - عمليًا إلى تعطيل الكثير من مسارات التحقيق. وأعادت وثائق جديدة صادرة عن وزارة العدل عام 2026 تسليط الضوء على علاقاته بإيهود باراك، بما في ذلك مراسلات متكررة بعد إدانته عام 2008، وإقامات باراك في شقة إبستين في نيويورك، والتخطيط للقاءات بينهما (Al Jazeera, 2026; BBC, 2026; U.S. Department of Justice, 2026). وبعد وفاة إبستين، سعى عدد من المرتبطين به، ومنهم باراك، إلى التقليل من طبيعة علاقاتهم أو إنكارها (NBC News, 2026).
في سدي تيمان، يَظهر نمطُ تستّرٍ (Cover-up) مشابه. فبعد تسريب الفيديو في أغسطس/آب 2024، انصبّ التركيز الإعلامي والقضائي على المُبلِّغ، لا على الجريمة الأصلية. وقد أُوقفت تومر-يروشالمي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بتهم عرقلة العدالة، والاحتيال، وإساءة استخدام المنصب (abuse of office)، وانتهاك الثقة، وكشف معلومات رسمية (NPR,2025; CNN, 2025). وفي رسالة استقالتها، أقرت بأنها سرّبت الفيديو لمواجهة «دعاية مضللة» ضد سلطات إنفاذ القانون العسكري (BBC, 2025; NBC News, 2025)، غير أن التحقيقات تركزت عليها بدلًا من الجنود المتهمين. كما وصف تقرير لـNPR في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 القضية بأنها مسلسل «صابون أوبرا» (Soap Opera-Worthy Saga)، إلا أن الواقع يبقى أن خمسة جنود اتُّهموا باغتصاب جماعي، وحتى فبراير/شباط 2026 لم تُعقد محاكمة نهائية. وكانت الأمم المتحدة قد وصفت هذه الأفعال في تقرير أغسطس/آب 2024 بأنها «جريمة ضد الإنسانية»، وأفادت بوقوع ما لا يقل عن 53 حالة وفاة نتيجة التعذيب (OHCHR, 2024).
تشير المعطيات إلى أنه في كِلا الملفين، قامت سلطةٌ منهجية بالتستّر على الجريمة. فإذا كان إبستين قد استخدم شبكته للابتزاز وجمع المعلومات - وفق ما ورد في مذكرة FBI لعام 2020 - فهل يمكن أن تكون هذه الثقافة قد امتدت إلى السجون العسكرية الإسرائيلية؟ (Anadolu Agency, 2026; Middle East Eye, 2026). كما تصف تقارير B’Tselem ومنظمة العفو الدولية نمطًا من التعذيب الجنسي في سدي تيمان يقوم على الإذلال بهدف السيطرة، في صورةٍ يرى بعضهم أنها تشبه ما ورد في شبكة إبستين: الإذلال وسيلةً للتحكّم (B’Tselem, 2024; Amnesty International, 2024).
نمطٌ لا يمكن تجاهله
إن مجمل الوثائق والتقارير المنشورة، من وزارة العدل الأمريكية إلى تقارير الأمم المتحدة، ترسم صورةً لاتهاماتٍ خطيرة تتمحور حول ثلاثة عناصر رئيسية: العنف الجنسي، والسلطة السياسية، وآليات التستّر للحفاظ على النفوذ. أولًا، ثمة تشابه في الأساليب: الاغتصاب بوصفه أداةً للإذلال في سدي تيمان، والابتزاز الجنسي في قضية إبستين. ثانيًا، حضور شخصياتٍ سياسية رفيعة في محيط كِلا الملفين - بما في ذلك دور باراك والحديث عن صلاتٍ بالموساد. ثالثًا، تعقيد المسارات القضائية والأمنية على نحوٍ جعل المساءلة الشفافة أمرًا عسيرًا: فقد أغلقت وفاة إبستين باب التحقيقات، وفي سدي تيمان عوقب المُبلِّغ بدل أن تُحسم القضية بحق المتهمين.
References
Al Jazeera. (2026a, February 10). Struggling to navigate the Epstein files? Here is a visual guide. https://www.aljazeera.com/news/2026/2/10/struggling-to-navigate-the-epstein-files-here-is-a-visual-guide
Al Jazeera. (2026b, February 9). What were Jeffrey Epstein's links to Israel? https://www.aljazeera.com/news/2026/2/9/what-were-jeffrey-epsteins-links-to-israel
Al Jazeera. (2026c, February 18). Tested on Palestinians: Epstein, Israel's Barak pushed spy tech in Nigeria. https://www.aljazeera.com/features/2026/2/18/tested-on-palestinians-epstein-israels-barak-pushed-spy-tech-in-nigeria
Amnesty International. (2024, July 18). Israel must end mass incommunicado detention and torture of Palestinians from Gaza. https://www.amnesty.org/en/latest/news/2024/07/israel-must-end-mass-incommunicado-detention-and-torture-of-palestinians-from-gaza
Anadolu Agency. (2026, February 4). FBI informant 'became convinced' Epstein was Israeli spy: Government document. https://www.aa.com.tr/en/americas/fbi-informant-became-convinced-epstein-was-israeli-spy-government-document/3820659
BBC. (2025, November 3). Israeli military's ex-top lawyer arrested over leak of video allegedly showing Palestinian detainee abuse. https://www.bbc.com/news/articles/cy0kpd97qqko
BBC. (2026, February 10). Who is in the Epstein files? https://www.bbc.com/news/articles/cqxynz2l0g2o
B’Tselem. (2024). Welcome to Hell: The Israeli prison system as a network of torture camps. https://www.btselem.org/publications/202408_welcome_to_hell
CNN. (2025, November 4). A leaked video, a frantic search, and the top military lawyer: What to know about the scandal rocking Israel. https://www.cnn.com/2025/11/04/middleeast/major-general-tomer-yerushalmi-israel-intl
Drop Site News. (2026). Epstein Flipped Israel’s Gaza-Tested Biometric Scanners Into Nigeria Ports Deal for UAE. https://www.dropsitenews.com/p/epstein-ehud-barak-sultan-sulayem-nigeria-ports-israel-dp-world
Middle East Eye. (2026, February 6). Epstein trained as an Israeli spy, FBI document says. https://www.middleeasteye.net/news/epstein-trained-israeli-spy-fbi-document-says
Mondoweiss. (2024, August 28). The main suspect in the Sde Teiman gang rape case is now a media star in Israel. https://mondoweiss.net/2024/08/the-main-suspect-in-the-sde-teiman-gang-rape-case-is-now-a-media-star-in-israel
NBC News. (2025, November 4). How the arrest of the military's top lawyer over a leaked abuse video has rocked Israel. https://www.nbcnews.com/world/israel/israel-idf-lawyer-arrest-leaked-abuse-video-palestinian-prisoners-gaza-rcna241541
NBC News. (2026, February 13). Israel's Barak says he regrets knowing Epstein after documents detail their long friendship. https://www.nbcnews.com/world/israel/israels-barak-says-regrets-knowing-epstein-documents-detail-long-frien-rcna259004
NPR. (2025, November 4). Israel rocked by scandal as top military lawyer is thrown into jail. https://www.npr.org/2025/11/04/g-s1-96413/israel-scandal-top-military-lawyer-thrown-into-jail
Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights. (2024, August 5). Israel’s escalating use of torture against Palestinians in custody a preventable crime against humanity: UN experts. United Nations. https://www.ohchr.org/en/press-releases/2024/08/israels-escalating-use-torture-against-palestinians-custody-preventable
PBS. (2025, November 3). Israel arrests military lawyer accused of leaking video showing alleged abuse of detainee. https://www.pbs.org/newshour/show/israel-arrests-military-lawyer-accused-of-leaking-video-showing-alleged-abuse-of-detainee
Times of Israel. (2025, November 2). PM: Palestinian prisoner abuse video leak 'most serious PR attack' against Israel to date. https://www.timesofisrael.com/pm-palestinian-prisoner-abuse-video-leak-most-serious-pr-attack-against-israel-to-date
Times of Israel. (2026, February 6). Netanyahu: Ties to former PM Barak prove Epstein didn't work for Israel. https://www.timesofisrael.com/netanyahu-ties-to-former-pm-barak-prove-epstein-didnt-work-for-israel
U.S. Department of Justice. (2026, January 30). Department of Justice publishes 3.5 million responsive pages in compliance with the Epstein Files Transparency Act [Press release]. https://www.justice.gov/opa/pr/department-justice-publishes-35-million-responsive-pages-compliance-epstein-files
[1]ویدیوهای مربوطه در دو لینک زیر در این قسمت از یادداشت در سایت نمایش داده شود: