شدّد الأمين العام لحزب الله، سماحة الشيخ نعيم قاسم، يوم الجمعة 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، على أنّ اغتيال القائد الجهادي الكبير الشهيد السيد هيثم علي الطبطبائي ورفاقه هو «اعتداء سافر وجريمة موصوفة»، معلناً بشكل حازم أن «من حقنا الرد، وسنحدد التوقيت لذلك». وأكد سماحته خلال الحفل التأبيني الذي أقيم إحياءً وتعظيماً لشهادة القائد الكبير ورفاقه في مجمع سيد الشهداء (ع) بالضاحية الجنوبية لبيروت، أن العدوان الإسرائيلي هو «عدوان على كل لبنان» وليس على المقاومة فقط، داعياً الحكومة لتحمل مسؤولياتها في الردع والحماية.
وفي مستهل كلمته التأبينية، أشار سماحة الأمين العام إلى أن هدف الاحتلال الإسرائيلي من اغتيال أبرز شخصية في عملية القتال وترميم القدرة، هو «ضرب المعنويات وإحداث بلبلة» والتأثير على التنظيم والإدارة وتوزيع المهام. وجزم الشيخ قاسم بأن «هدف الاغتيال لم ولن يتحقق، ونحن على الخط نفسه مستمرون»، مشدداً على أن للحزب أصولاً وجذوراً، وهو قادر في كل فترة على استعادة القدرة واستبدال الشخصيات، وأن للشهيد السيد الطبطبائي «إخواناً كثراً وكل هذا الأمر سيكون قيد المتابعة بشكل طبيعي».
سيد معركة أولي البأس
وفي تفاصيل المسيرة الجهادية، تحدث الشيخ قاسم عن مناقب الشهيد القائد هيثم علي الطبطبائي (السيد أبو علي)، لافتاً إلى أنه تميز بصفات عظيمة في التخطيط والجرأة والإدارة الحكيمة في قلب المعركة. وأوضح أن الشهيد «التحق بصفوف المقاومة منذ سنة 1984، وتصدى للعدوان الإسرائيلي سنة 2006 في الخيام، كما أدار مشروع قوات النخبة من عام 2008 إلى 2012».
وأضاف سماحته أن الشهيد «كان ينتقل إلى أي مكان يُطلب منه»، حيث انتقل إلى اليمن وقضى تسع سنوات هناك لمساعدة الأخوة وترك بصمة مهمة، كما كان له دور في مواجهة التكفيريين في سوريا. وعن دوره الأخير، أكد الشيخ قاسم أن الشهيد كُلّف بقيادة معركة «أولي البأس»، وكان «بحق سيد معركة أولي البأس من حيث الإدارة العسكرية وحسن التنظيم والتخطيط وبرمجة إطلاق الصواريخ والطائرات وتنسيق النيران بطريقة احترافية».
واعتبر أن استشهاده مع أربعة من الأخوة الذين كانوا يحضرون للعمل القادم هو «خسارة كبيرة، ولكنه ربح كبير له لأن الشهادة مبتغاه»، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن الشهيد مصطفى برو طلب أن يُكتب في المراسلات عبارة «من ابنكم حسن»، والشهيد برجاوي كان له تاريخ في ملف اليمن وقسم الدعم والتجهيز.
وفي الشأن الأمني، لفت الشيخ قاسم إلى وجود اختراق واحتمالية وجود عملاء لأن «الساحة مفتوحة»، مشيراً إلى أن العدو يعمل براحة كبيرة بالتنسيق مع الاستخبارات الأمريكية والعربية والدولية، وداعياً إلى «معالجة الأخطاء والانتباه إلى الثغرات وأخذ الدروس والعبر».
المشروع الإسرائيلي انكسر
وحول الذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار، اعتبر الشيخ قاسم أن هذا اليوم هو «يوم انتصار للمقاومة وللحزب وللناس وللبنان»، معللاً ذلك بأن المقاومة منعت العدو من تحقيق أهدافه وعلى رأسها إنهائها. وأوضح أن الاتفاق حصل «لأننا صمدنا وواجهنا، ولأننا كنا أمام أداء أسطوري للمجاهدين، ولأننا أقوياء بمشروعنا وإرادتنا وشعبنا ووطنيتنا».
وشدد على أن معركة «أولي البأس» كانت مواجهة من قوة متواضعة لا تقاس بقوة العدو، لكنها تمتلك إرادة وشجاعة، في مقابل «جبروت إسرائيلي أمريكي عالمي وحشي»، مؤكداً أن «مشروع العدو الإسرائيلي انكسر على أعتاب معركة أولي البأس». وأضاف أن العدو قتل القيادات ودمّر لإنهاء المقاومة لكنه «لم يتمكن والحمد لله».
أشكال الردع الثلاثة
وفصّل الشيخ قاسم مفهوم الردع إلى ثلاثة أشكال: الردع بالتحرير كما حصل عام 2000 بإخراج إسرائيل. وثانيًا الردع بالحماية كما حصل بين 2006 و2023 عبر منع العدو من الاقتراب. وثالثاً الردع بمنع الاستقرار، وهو الشكل الحالي للمواجهة منذ عام 2023، حيث «نواجه إسرائيل بمنعها من الاستقرار على أرضنا المحتلة».
وأوضح أن الدولة هي المسؤول الأول عن الردع بجيشها وشعبها، مشيراً إلى أن الدولة «اختارت المسار السياسي والدبلوماسي لمنع العدو من الاستقرار». وقال: «نقول للدولة إن جاهزيتنا وقدرتنا على الدفاع تمنع العدو من الاستقرار، وعلى الدولة استثمار القدرات الموجودة»، مشدداً على أن الاحتلال يعلم أنه مع وجود المقاومة لا يمكنه الاستقرار.
العدوان على كل لبنان
وتناول الشيخ قاسم الواقع الحالي، متسائلاً: «أليس هناك عدوان على رئيس الجمهورية (جوزاف عون) لأنه يتصرف بحكمة؟ وعلى قائد الجيش (العماد رودولف هيكل) لأنه يتصرف على قاعدة حماية السلم الأهلي؟». وأكد أن العدوان الإسرائيلي هو «عدوان على كل لبنان»، مشيراً إلى «الاحتلال الإسرائيلي الجوي» عبر المسيرات فوق القصر الجمهوري والسراي الحكومي، والعدوان الاقتصادي عبر العقوبات الأمريكية التي تطال كل اللبنانيين.
ورأى أن الحكومة هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن الدفاع، لأنها «وافقت على الاتفاق وأعلنت أنها تريد أخذ المبادرة»، مضيفاً: «فلتُرنا الحكومة كيف تردع العدو».
وأكّد الأمين العام لحزب الله أن الحل هو توقف العدوان، ولكن «إذا استمر العدوان، فعلى الحكومة أن تضع خطة للمواجهة، وأن تضرب قدمها في الأرض وتهدد بما تملكه من خيارات». وطالب الحكومة بأن تقول إنها «تريد إعادة النظر حتى في انتشار الجيش في الجنوب، وأن آلية (الميكانيزم) يجب إعادة النظر بها لأنها تحولت إلى ضابطة عدلية عند الإسرائيلي». وشدد الشيخ قاسم في النهاية على أن «التنازلات تجعل الاحتلال أكثر طمعاً»، وأن دماء الشهداء لن تذهب هدراً، مؤكداً: «لن يؤلمنا من دون أن يتألم، وخير لمواطنينا أن نكون يداً واحدة عندها يخضع الأجنبي لإرادتنا».
وفي الشأن الداخلي أيضًا، أكد الشيخ قاسم أن «خدام إسرائيل في لبنان قلة، لكنهم يسببون مشكلة لأنهم يعيقون استقرار البلد ونموه». وشدد على أن سلاح المقاومة «هو مشكلة تعوق مشروع الكيان الإسرائيلي، ومن يريد نزعه كما تريد إسرائيل يخدمها»، مخاطباً هؤلاء: «اتقوا الله وكونوا مع أهل بلدكم».
وأشار إلى أن التهديدات المستمرة بالحرب والعدوان الأوسع هي «شكل من أشكال الضغط السياسي» بعد فشل الضغوطات السابقة، لافتاً إلى أن احتمال الحرب وعدمها موجودان لأن «إسرائيل وأمريكا تدرسان خياراتهما». وأكد قائلاً: «عليهم أن ييأسوا، فمهما فعلوا هذا شعب لا يهزم ولا يستسلم». وتابع الشيخ قاسم: «معيارنا هو استقلالنا وحريتنا، ومعيار المستسلمين حياة العبودية والذل.. نحن وحلفاؤنا وشرفاء وطننا وأهلنا وجيشنا لا نقبل أن نكون أذناباً لأمريكا وإسرائيل».
الشعب السوري لن يقبل بالاستسلام
وفي الملف السوري، لفت الشيخ قاسم إلى أن عملية «بيت جن» تثبت أن «الشعب السوري لن يقبل بالاستسلام للاحتلال الإسرائيلي»، معتبراً هذا الأمر «مؤشراً إيجابياً وصحيحاً». ونبّه إلى أن العدو «لا يثق بالشرع» ويعتبر أن أي اتفاق مع سوريا لا معنى له، مستشهداً بكلام «كاتس» وبما جرى في سوريا حيث «أخذوا كل شيء».
نرحّب بزيارة البابا في هذه المرحلة المفصلية
في سياق آخر، رحب الأمين العام لحزب الله بزيارة الحبر الأعظم، بابا الفاتيكان «لاوون الرابع عشر»، إلى لبنان في هذه المرحلة المفصلية. وكشف سماحته أنه تم تكليف أخوة من المجلس السياسي بتقديم كتاب من حزب الله إلى البابا عبر السفارة البابوية، مؤكداً أن «هذه الرسالة ستنشر في وسائل الإعلام». وأعرب عن أمله في أن تساهم الزيارة في «تعميم السلام في لبنان وتحرير لبنان ووقف العدوان».