الكاتب: رامين حسين آباديان
تعد الأردن ثاني دولة عربية إسلامية، بعد مصر، تضع تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني على جدول أعمالها. في السادس والعشرين من تشرين الأوّل/ أكتوبر عام 1994، وقّع الأردن والكيان الصهيوني معاهدة سلام عُرفت باتفاقية «وادي عربة». جاء في جانب من اتفاقية تطبيع العلاقات بين الأردن والكيان الصهيوني: «إن الهدف من هذه المعاهدة هو تحقيق سلام عادل وشامل بين الطرفين على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338، وفي إطار حدود آمنة ومعترف بها».
من اتفاقية التطبيع «وادي عربة» إلى «حرب المياه»
نُشر أخيراً خبر في صحيفة «معاريف» الصهيونية سرعان ما لقي صدىً واسعاً في مختلف وسائل الإعلام الإقليمية والدولية. لعل سبب بروز مثل هذا الخبر هو أن أحدًا لم يكن يتوقّع أن يدخل الكيان الصهيوني رسمياً في مواجهة مع دولة كانت، بعد مصر، قد وافقت على توقيع اتفاقية لتطبيع العلاقات مع "تل أبيب". على أي حال، كانت الرواية التي نقلتها «معاريف» تفيد بأن المسؤولين الصهاينة أبلغوا الأردن بأنهم لا يعتزمون تسليم حصة المياه السنوية المقررة بموجب اتفاقية «وادي عربة». بتعبير أوضح، لا تنوي "تل أبيب" تأمين حوالى 50 مليون متر مكعب من المياه التي ينبغي تسليمها للأردن وفقاً للاتفاقية.
يأتي قرار سلطات الكيان الصهيوني هذا في وقتٍ تُلزم فيه اتفاقية «وادي عربة» الموقعة عام 1994 بين الطرفين، الكيان الصهيوني بتسليم 50 مليون متر مكعب سنوياً من المياه من المصادر المتفق عليها إلى عمان، إذ تُنقل هذه المياه إلى الأردن عبر قناة «الملك عبد الله». في هذا الصدد، يؤكد موقع شبكة «الجزيرة»: «بموجب المادة السادسة من اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية المتعلقة بملف المياه فقد اتفق الطرفان على الاعتراف بتخصيصات عادلة لكل منهما، وذلك من مياه نهري الأردن واليرموك ومن المياه الجوفية لوادي عربة، وذلك بموجب المبادئ المقبولة والمتفق عليها وحسب الكميات والنوعية المتفق عليها». بناءً عليه، فإن الكيان الصهيوني، عبر إعلانه رفض تسليم حصة المياه المتفق عليها للأردن، قد انتهك رسمياً أحد أهم بنود اتفاقية التطبيع «وادي عربة»، والمتعلق بحصة الأردن المائية، وضرب به عرض الحائط.
سرقة المياه والحقوق المائية للأردن على طريقة "تل أبيب"
يقول «أحمد فضيلات»، الخبير والمحلل في شؤون العالم العربي، متناولاً قضية النزاع المائي بين الأردن والكيان الصهيوني: «يتهم خبراء دوليون في قطاع المياه "إسرائيل" بسرقة المياه الأردنية من نهر الأردن، ومياه الآبار الجوفية بمنطقة وادي عربة والغمر جنوبي المملكة». من جهة أخرى، يكتب الباحث والكاتب الأردني «هشام البستانی» في مقال له: «نتج من معاهدة السلام بين الأردن و"إسرائيل" ترتيب غريب للموارد المائية ضمن تبعية الأردن لـ"إسرائيل". بتوقيع هذه المعاهدة، قبل الأردن بالتقسيم الذي فرضته "إسرائيل" لنهر الأردن، إذ تستغل "إسرائيل" فعلياً نهر الأردن وروافده في بحيرة طبريا، التي تُعد منبع الجزء الجنوبي من النهر، استغلالاً كاملاً. لقد أدى ذلك إلى حرمان الأردن من الحصول على حصة ضئيلة من هذه الموارد الحيوية. في المقابل، ورغم أن نهر اليرموك هو أحد الروافد الرئيسية لنهر الأردن - ولیس نهراً مشتركاً بين الأردن و"إسرائيل" - فقد حددت معاهدة عام 1994 حصة منه لـ"إسرائيل" تعادل 12 مليون متر مكعب في الصيف و13 مليون متر مكعب في الشتاء. بذلك، ورغم الجفاف والتغيرات المناخية، يحصل الأردن على حصة قليلة جداً من المياه؛ بل أقل مما كان يحصل عليه قبل المعاهدة. بناءً على الملاحق التي أضيفت لاحقاً إلى المعاهدة بين الطرفين، توقف حفر أي آبار أردنية للاستهلاك المحلي في وادي عربة، وذلك لضمان استمرار السحب الإسرائيلي من المياه الجوفية الأردنية في تلك المنطقة، وعدم المساس بكمية أو جودة سرقة المياه من قبل تل أبيب».
لكن تعدي إسرائيل على الحقوق المائية الأردنية لا يتوقف عند هذا الحد، إذ كشف الخبير الأردني في شؤون المياه «سفيان التل» عن وقائع أخرى تعود إلى ما قبل اتفاقية «وادي عربة» وتتعلق بتحويل مجرى نهر الأردن. أكد في هذا السياق: «لقد سرقت "إسرائيل" حقوقنا المائية بتحويل مجرى نهر الأردن في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. في الوقت نفسه، يجب القول إن نهر الأردن مشترك بموجب الاتفاقيات الدولية بين سوريا ولبنان والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة قبل عام 1967، ولم تشر تلك الاتفاقيات إلى "إسرائيل" قط».
إن نزعة النهب لدى الصهاينة هي ذاتها التي أشار إليها قائد الثورة الإسلامية سابقاً، بوصفها أحد أهداف إنشاء المحتلين في المنطقة. في هذا الصدد، قال سماحته: «المستعمرون الغربيّون أنشؤوا الكيان الصهيوني الغاصب في هذه المنطقة. جعلوا هذا الكيان الغاصب قاعدة للغرب في هذه المنطقة، قاعدة لأوروبا أوّلاً ولاحقاً لأمريكا، من أجل أن يتمكّنوا من السيطرة عليها، ويفعلوا ما يحلو لهم، ويُوقعوا بين الدّول، ويُحدثوا الحروب ويفرضوها ويُوسّعوها، وينهبوا».
استغلال رئيس الوزراء المطارد لأكثر الاحتياجات حيوية في ثاني دولة مطبعة للعلاقات
يعد الأردن ضمن قائمة الدول الـ17 التي تعاني من نقص حاد في المياه، إذ انخفضت حصة الفرد الواحد من المياه في هذا البلد إلى ما دون خط الفقر المائي. في الوقت ذاته، تتزايد الضغوط السكانية وآثار التغيرات المناخية عاماً بعد عام في الأردن. هذا الوضع جعل الأردن يعتمد على مصادر خارجية لتأمين جزء من احتياجاته المائية. رغم الجهود الأردنية لتطوير مشاريع تحلية المياه، ولكن استكمال هذه الجهود وجني ثمارها يستغرق سنوات، ولذلك إن أي خلل خارجي في تأمين المياه يؤدي مباشرة إلى بروز أزمات داخلية تؤثر على حياة ملايين الأردنيين.
في خضم ذلك، وضع الكيان الصهيوني يده على هذه النقطة الحساسة، وهو يدرك تماماً الوضع والظروف الراهنة للأردن وحاجته الحيوية إلى المياه - لا سيما في ظل تراجع معدلات هطول الأمطار. في هذا السياق، يصف «مهدي مبارك عبد الله» الإجراء الأخير للكيان الصهيوني بالتراجع عن تخصيص 50 مليون متر مكعب من المياه سنوياً للأردن - وفقاً للاتفاق السابق - بأنه إجراء سياسي، قائلاً: «إن "إسرائيل" تستخدم المياه كأداة عقابية لممارسة الضغط على الأردن. في الواقع، يستغل نتنياهو حاجة الأردن إلى المياه كأداة ضغط مباشرة. ستنعكس تبعات هذا الإجراء الإسرائيلي على نحو مباشر على الشعب الأردني؛ إذ لا يمثل هذا الإجراء تهديداً كبيراً للمزارعين الأردنيين فحسب، بل سيؤدي أيضاً إلى خلق مشكلات في تأمين مياه الشرب في المدن الكبرى في البلاد».
ما يفاقم تبعات حرب المياه التي يشنها الكيان الصهيوني ضد الأردن على شعب هذا البلد، هو الظروف الصعبة التي يمر بها الأردن في مجال الاستفادة من الموارد المائية. يصف الكاتب والصحفي الأردني «حبيب أبو محفوظ» وضع بلاده قائلاً: «الأردن في خضم أزمة مياه وسدود شبه فارغة، ولا يفصله عن العطش سوى مسافة قصيرة. إن أزمة المياه في واحدة من أفقر دول العالم مائياً قد وضعتنا في مأزق أكبر من أي وقت مضى». تظهر هذه الظروف مدى التأثير الخطير الذي يمكن أن يلحق بالشعب الأردني وحياته اليومية نتيجة تشديد الخناق عليه إثر انتهاك الكيان الصهيوني لحقوقه المائية. لقد بات جلياً الآن أكثر من ذي قبل كيف أدى توقيع اتفاقية تطبيع «وادي عربة» مع الكيان الصهيوني، وما تلاها من تعاون واتفاقيات بين الأردن و"إسرائيل"، إلى رهن مصير أكثر احتياجات الأردنيين حيوية بقرارات مجرم حرب مطارد - بصفته سياسياً يلاحقه المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في غزة - وهو الشخص نفسه الذي يزعم أنه رائد في تصدير تكنولوجيا وتقنيات المياه إلى مختلف أنحاء العالم!