بسم الله الرحمن الرحيم،

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين، [ولا] سيّما بقيّة الله في الأرضين.

أهلًا وسهلًا بكم يا أهل تبريز وآذربيجان الأعزاء، ولا سيّما الشباب، وعائلات الشهداء على نحوٍ خاصّ. إنّ حضور هذا الجمع الشابّ، بهذه الخطوات الراسخة، وافدًا من آذربيجان إلى هذه الحسينيّة، ليبشّر بـ«الترابط الجيلي» بين الأجيال السابقة والحاضرة جميعها لمرحلة الثورة الإسلاميّة في مدينة تبريز وفي آذربيجان، وهذا من أسمى ميزات مدينتكم ومحافظتكم.

إنني وطوال السنين الماضية، في عهد الثورة، كلما سافرتُ إلى تبريز أو غيرها من مدن آذربيجان، شعرتُ بوجود ميزة ورجحان في مشاعر هؤلاء الناس ورؤيتهم وبصيرتهم، قلّما يلحظها المرء في أماكن أخرى. إن واقعة قضيّة التاسع والعشرين من بهمن عام 1356 هـ.ش (18 شباط/ فبراير 1978)[1] بحدّ ذاتها مؤشّرٌ تاريخيّ لا يمكن إيداعه غياهب النسيان إطلاقًا. الدقة في اختيار التوقيت، والمبادرةُ في الوقت المناسب، وبذل التضحيات، من خصائص تلك الحادثة. رحمةُ الله على إمام جمعة المدينة الراحل، المرحوم السيد آل هاشم (رضوان الله عليه)، الذي شرح هذه الخصائص بدقّة في أحد اللقاءات وبيّنها؛ وقد رأيتُ ذلك بعيني وشاهدته.

سأعرض توصـيتي الأساسيّة هنا في المستهل: لا تفرطوا بهذه الدقة في اختيار التوقيت؛ ولا تفرطوا بهذا الحضور في الوقت المناسب؛ فهذه ميزةٌ عظيمة. إنّ آذربيجان حيّة ومفعمة بالحياة. الشعب الحيّ والنّشط لا يقع أبدًا في شِباك الألاعيب السياسيّة وحِيَل الأعداء المتنوّعة. الحمد لله أنّكم قد حافظتم على هذا الوعي بالزمان والموقف؛ فقد كان من بين التقارير التي قُدّمت إلينا هذا العام في الثاني والعشرين من بهمن[2] أنّ المدن جميعها شهدت زيادةً في أعداد المشاركين، في حين حقّقت تبريز ضعفَ عدد المشاركين.

يا أعزّائي، إنّ لقاءنا هذا العام، وهذا اللقاء اليوم هو لقاءٌ استثنائيّ؛ ويختلف عن الأعوام الأخرى. لقد كان هذا العام عامًا عجيبًا؛ عامًا أظهر فيه الشعب الإيراني، وفي مراحل ومحطّات عدّة، عظمته وإرادته وعزمه الراسخ وقدراته، وكشف عنها واستعرضها؛ بدءًا من الحرب التي استمرّت اثني عشر يومًا وصولًا إلى هذه الأيّام الأخيرة.

نحن اليوم، بطبيعة الحال، على أعتاب شهر رمضان أيضًا؛ وهو من الأيّام المباركة. لقد تمكّن أبناء شعبنا هذا العام، ومن بينهم أنتم يا أهل آذربيجان الأعزاء والغيارى، من أن ترفعوا رأس إيران عاليًا؛ لقد تمكّنتم من إعزاز بلادكم. حين أقول إنّكم رفعتم رأسها عاليًا، فليس ذلك مجرّد تعبيرٍ إنشائيّ؛ بل هو كلامٌ ينقله إلينا مسؤولو بلادنا الذين يسافرون إلى الدول الأخرى لمتابعة القضايا السياسية. هم يقولون إنّ إيران اليوم قد اكتسبت مكانةً مميّزة في أنظار السياسيّين الذين التقوا بهم وتحدّثوا عن إيران معهم، وذلك بفضل هذا الصّمود واستعراض القوّة هذا.

أريد اليوم أن أتحدّث عن موضوعين؛ أحدهما يتعلق بهذه الفتنة التي حدثت قبل نحو شهر أو أربعين يومًا تقريبًا؛ وينبغي الحديث عنها وتحليلها. لقد كنتُ قبل أيّام قد أدليتُ بكلمةٍ في هذا الشأن،[3] وسأتحدّث اليوم بإيجاز أيضًا؛ ولكن على أهل التحليل والفكر أن يعملوا على هذا الأمر. أمّا الموضوع الآخر، فيتعلق بأمريكا، هذا النظام الآيل إلى الزوال في واقع الأمر، وهذه الإمبراطوريّة المتهاوية، وسأتحدّث عنه ببعض العبارات.

أمّا بشأن هذه الفتنة، فأقول لكم بكلمةٍ واحدة: يا أعزّائي، إنّ ما حدث كان «انقلابًا» قد باء بالفشل. لم يكن الأمر مجرّد مجموعةٍ من الشباب أو غير الشباب غضبوا في مكانٍ ما، فأدوا حركة أو مبادرة أو احتجاجًا أو أعمال شغب؛ كلا، بل كان أكبر من ذلك؛ كان انقلابًا، ولكنّ هذا الانقلاب سُحق تحت أقدام الشعب الإيراني.

خلاصةُ القضيّة هي على هذا النحو: إنّ الأجهزة الاستخباريّة والتجسّسيّة لبلدين، هما الولايات المتّحدة وفلسطين المحتلّة - أي هذا الكيان الصهيونيّ الباطل - وبمساعدة أجهزة استخبارات بعض الدول الأخرى التي نعرف بعضَها، قد بحثت طوال الوقت حتى وجدت عددًا من العناصر الشريرة أو ممّن لديهم نزعات إجراميّة داخل بلدنا، فعثروا عليهم، وأخذوهم وأمدوهم بالمال والسلاح، ودرّبوهم على أعمال التخريب، وعلى كيفيّة اقتحام المراكز العسكريّة أو المراكز الحكوميّة، ثمّ أعادوا إرسالهم إلى إيران مترقّبين فرصةً ما، إذ يباشرون عملهم متى ما سنحت الفرصة.

كانت مهمّتهم ترتكز على التأثير في عددٍ من المخدوعين البسطاء - شبابًا كانوا أم غير شباب - وإثارة غضبهم، ودفعهم إلى خوض الميادين الصعبة. لقد سنحت لهم هذه الفرصة؛ فقبل نحو شهرٍ ونصف دخلوا الساحة، ودفَعوا بهؤلاء الشباب البسطاء القليلي الخبرة إلى الواجهة؛ إلى أين؟ نحو المراكز الحسّاسة: المقرّات العسكريّة، والبنى التحتيّة، ومستودعات الوقود، وسائر المواقع العسكريّة والحكوميّة الحسّاسة. دفعوهم إلى هناك، ودخلوا هم أيضًا الميدان بأسلحةٍ متنوّعة - مسدّسات وأسلحة شخصيّة وبنادق وقنابل يدويّة وغير ذلك - وكانت سياستهم أن يكون التحرّك عنيفًا بلا ضوابط؛ على شاكلة تحرّكات «داعش». لقد قرروا التصرف بعنف؛ فكانوا يُحرقون الإنسان حيًّا، ويقتلون الطفل في حضن أبيه؛ ويرتكبون أفعالًا وحشيّة. للأسف، فإنّ عددًا من أبناء وطننا ارتحلوا إلى الدار الآخرة وفقدوا حياتهم بسبب تحرّكات هؤلاء.

ماذا كان الهدف؟ كان الهدف إضعاف أركان النظام وزعزعتها، والسيطرة على المراكز الحسّاسة، والاستيلاء على مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وما إلى ذلك؛ هذا ما أرادوا فعله. لقد تصدّت لهم قوى الأمن، والتعبئة، وحرس الثورة الإسلامية، وعدد كبير من الشباب الذين لم يكونوا من التعبئة ولا من الحرس. بعضهم واجهوهم بأيدٍ خالية الوفاض، وبعضهم نالوا الشهادة؛ لكن ما كانت النتيجة في النهاية؟ في النهاية، وسواء قَبِل العدو أو لم يقبل، فإن هذا الانقلاب الذي أعدوا له في الداخل بهذا العناء والإنفاق والتخطيط كله، سقط أرضًا وفشل وانهار. هذا ما حدث. إنّها قضيّة مهمّة، وليست بالأمر الهيّن.

حسنًا، إنّ ما حدث كان هزيمةً للعدوّ وانتصارًا للشعب الإيراني؛ وهذا أمرٌ جليٌّ وواضح. ثمّ جاءت تلك المسيرة العجيبة في الثاني والعشرين من شهر دي[4]، ثمّ في الثاني والعشرين من بهمن، التي كانت حقًا آيةً إلهيةً في هذا التحرك الشعبي العظيم والمتراكم. هذه هي إحدى السياسات، وهناك سياسات تالية أيضًا. لا أريد أن أجزم على نحو قاطع، ولكنني أقول إن الشعب الإيراني الذي استطاع الخروج منتصرًا على هذا النحو من خبث العدو ومؤامرته، عليه الحفاظ على هذا الانتصار، وذلك لا يتحقق إلا بالجهوزية واليقظة والوحدة الوطنية.

لقد سُفكت دماء وأريقت دماءٌ على الأرض. إننا في حالة حداد وعزاء على تلك الدماء التي أُريقت. [طبعًا] فئةٌ منهم كانت من المفسدين ومثيري الفتن والانقلابيين، أولئك الذين لم يُمهلهم الأجل، فهلكوا وذهبوا إلى الجحيم، وأمرهم إلى الله؛ لا شأن لنا بهم. لكن ثمة فئات أخرى لم تكن منهم. لقد كانوا ثلاث مجموعات، ثلاث فئات. أنا أصنّف القتلى والضحايا إلى ثلاث فئات: الفئة الأولى هي المدافعون عن الأمن وعن سلامة النظام، سواء أكانوا من قوى الأمن الداخلي أم التعبئة أك حرس الثورة أم أولئك الذين كانوا يرافقونهم. هؤلاء استُشهدوا، وهم من أفضل الشهداء؛ هذه فئة. الفئة الثانية هم المارّة؛ فعندما يُشعل مثيرو الفتنة نار الفتنة داخل المدينة، لا تقتصر الخسائر في الأرواح على مَن يواجهونهم فقط، بل تنال الناس الأبرياء الذين يسيرون في الشوارع قاصدين أعمالهم أو منازلهم، وقد استُشهد عددٌ من هؤلاء أيضًا. هؤلاء يُحسبون شهداء لأنهم استشهدوا في فتنة العدو. أيًّا كان مصدر الرصاصة، فقد وقعت الحادثة في سياق فتنة دبّرها العدو، ولذا إنّهم شهداء. إذًا، الفئة الثانية هم شهداء أيضًا. الفئة الثالثة هم الذين خُدعوا، وأخذتهم سذاجتهم، وكانوا قليلي الخبرة، فانساقوا وراء مثيري الفتنة. أريد أن أؤكّد أنّ هؤلاء منّا، وهم أيضًا أبناؤنا. بعضهم ندم، وبعضهم كتب إليّ رسائل يقول فيها: «نحن خرجنا ذلك اليوم إلى الشارع وفعلنا كذا وكذا وكذا، فسامحونا!» لم يكونوا في السجن، بل كانوا خارجه، ولكنهم ندموا وأدركوا خطأهم. الأشخاص الذين قُتلوا من هذه الفئة، احتسبهم المسؤولون شهداء أيضًا، وقد أحسنوا صُنعًا في ذلك. عليه، إنّ دائرة ضحايانا الذين نعدّهم شهداء هي دائرة واسعة: باستثناء أصحاب الفتنة وقادة مجموعاتهم وأولئك الذين تقاضوا أموالًا أو تسلموا سلاحًا من العدو، فإنّ البقية - سواء أكانوا عناصر الدفاع عن الأمن أم المارّة أم حتى أولئك الذين ساروا بضع خطوات مع مثيري الفتنة - هم [أيضًا] أبناؤنا. نحن نطلب لهم الرحمة، ونطلب لهم المغفرة. لقد أخطأوا، ونسأل الله المتعالي أن يتجاوز عن خطئهم، إن شاء الله.

إذًا فانظروا، لقد نشأت ظاهرة على يد الأمريكيين تُسمّى «داعش»، وقد أقرّ الأمريكيون واعترفوا بأنهم هم الذين أوجدوا «داعش»، بطرق معيّنة. لقد اندثر «داعش» إلى حدٍّ ما، ولكن هذه الجماعة الجديدة، هؤلاء أيضًا «دواعش جدد»؛ لذا يجب الحذر واليقظة! على المسؤولين من جهة، وعلى الناس من جهة أخرى، والشباب على وجه الخصوص، أن ينتبهوا جيّدًا لمَن يتحدّث إليهم، ومَن الذي يقترح عليهم.

وإذا كان لا يزال في البلاد بقايا من تلك الفئة المفسدة الأساسية - من المرجّح أنّهم موجودون - ينبغي ملاحقتهم ومعاقبتهم ومحاكمتهم؛ فالشعب هو صاحبُ حقّ في هذه القضيّة. إنّ الأجهزة الأمنيّة والقضائيّة مكلّفة بأن تتصرّف قضائيًا مع أولئك الذين يسيرون مع العدوّ، ويتعاونون معه، ويتماهون معه - سواء في الفعل، أو في الكلام، أو في التحليل - وأن تتصرّف معهم تصرّفًا قضائيًا عادلًا. إنني لستُ من دعاة التشدد في غير موضعه، ولكنّ التساهل في غير موضعه، يضرّ بالبلاد تمامًا كما يفعل التشدد.

لذلك، أرجّحُ كثيرًا أنّ خطّة أمريكا المستقبلية تجاه الجمهوريّة الإسلاميّة هي هذا النوع من التحرّك، وهذا الأسلوب. طبعًا، أنا على يقين بأنّه بلطف من الله، فإنّ كلّ تحرّك من هذا القبيل سيُباد على يد الشعب الإيراني؛ بلا شك. الشعب، بحمد الله، حيّ ويقظ ومُستعدّ.

أمّا في ما يتعلّق بالإمبراطوريّة الأمريكيّة الآيلة إلى الانقراض؛ فهي حقًا في طريقها للزوال! إنهم يعانون من أزمات اقتصاديّة، ومشكلات سياسيّة واجتماعيّة، فأكثر من خمسين بالمئة من الشعب الأمريكي لا يؤيّدون رئيسهم الحالي؛ تلك هي أزماتُ الدول، وهؤلاء غارقون فيها. أود أن أقول كلمةً: لقد قلتُ يومذاك[5] أيضًا إنّ مشكلتنا مع أمريكا هي أنّهم يريدون ابتلاع إيران، وأنّ الشعب الإيراني يحول دون ذلك، والجمهوريّة الإسلاميّة تحول دون ذلك. هؤلاء يطمحون للهيمنة على الشعب الإيراني. كما إنّ هذه التصريحات التي يدلي بها الرئيسُ الأمريكي - التي سأشير إليها - إذْ يهدّد تارةً، وأخرى يقول: «يجب أن يُفعل كذا ولا يُفعل كذا»، إنما تعني أنّهم يسعون إلى فرض الهيمنة على الشعب الإيراني.

الشعب الإيراني يعرف دروسه الإسلامية والشيعية جيدًا، ويعلم ماذا يفعل. قال الإمام الحسين (عليه السلام): «مِثلي لا يُبايِعُ مِثلَ يَزيد»[6]؛ أي إنّ شخصًا مثلي لا يبايع شخصًا مثل يزيد. في الواقع الشعب الإيراني يقول: «إنّ شعبًا مثلنا، بهذه الثقافة، وبهذا التاريخ، وبهذه المعارف السامية، لا يمكن أن نبايع قادةً فاسدين كالأشخاص الذين يحكمون أمريكا اليوم. إنّ كلّ ما كنّا قد سمعناه عن فسادهم في كفّة، وقضيّة هذه الجزيرة[7] السيّئة السمعة والفاسدة في كفّة أخرى! إنّها في الحقيقة تكشف الحضارة الغربيّة. هذا هو المقصود حين نتحدّث عن الحضارة الغربيّة وعن الديمقراطيّة الليبراليّة لدى الغرب. يسيرون مئتي أو ثلاثمئة سنة، وتكون النتيجة أمرًا من هذا القبيل. هذه الجزيرة مجرّد عيّنة؛ هناك أمور كثيرة جدًّا من هذا القبيل. كما إنّ هذه القضيّة لم تكن مكشوفة ثمّ كُشِفَت، فهناك أشياء كثيرة أخرى ستنكشف لاحقًا.

أما بشأن قضايا أمريكا، فيكاد المناخ الإعلامي الرسمي الأمريكي والصحف ووسائل الإعلام الصهيونية الناشطة هناك، لا تنطق هذه الأيام إلّا بلغة التهديد المتواصل ضد إيران؛ يهددون: سنفعل كذا وكذا. [لكنّكم] أنتم يا أهالي تبريز والكثير من الشعب الإيراني قدّمتم في «الثاني والعشرين من بهمن» جوابًا على هذه التهديدات، وأثبتّم أنّ هذا التهديد لا تأثير له، بل إنّ أثر التهديد يكون معاكسًا؛ فهو بعكس ذلك، يبعث على الدافع. إنّ الحضور الحاشد للشعب في مسيرات «الثاني والعشرين من بهمن»[8] كان ردًّا واضحًا على كثير من هذه الأقوال الفارغة والتافهة التي يطلقها الرؤساء في أمريكا.

هم أنفسهم يعلمون ذلك أيضًا. الأمريكيون أنفسهم، الذين يواصلون التهديد اليوم بأنّه ستندلع الحرب ويحدث كذا وكذا، يدركون جيّدًا أنهم لا يقوون على تبعات هذا الكلام؛ فأزماتهم الاقتصادية، ومشكلاتهم السياسية، ومكانتهم وسمعتهم الدولية، كلُّها لا تتحمل مواجهةً من هذا القبيل. إنهم يدركون هذا، ويعلمون أيَّ مستقبلٍ ينتظرهم إذا ما ارتكبوا خطأ ما.

إنَّ أحد مؤشرات زوال الإمبراطورية الأمريكية الفاسدة والظالمة هو افتقارهم إلى المنطق؛ هؤلاء يفقترون إلى المنطق. عندما تُقدِم حكومة ما على خطوة معيّنة، يجب أن تكون مستندة إلى منطق معيّن؛ هؤلاء يفتقرون إلى المنطق. من مصاديق افتقارهم إلى المنطق هو علاقتهم بشؤون بلادنا الداخلية. أولًا، إنهم يريدون أن يتدخّلوا في شؤوننا الداخلية. إحدى القضايا الداخلية المهمة جدًّا بالنسبة إلينا هي قضية الأسلحة. يجب أن نمتلك أسلحة رادعة. إنّ أيّ بلدٍ لا يمتلك أسلحة ردعٍ، سيُسحقُ تحت أقدام الأعداء. لذا، إنّ التسلّح الرادع يُعدّ من الواجبات لشعبنا. أما الأمريكيون، فيتدخّلون بغير وجه حقّ في هذه القضيّة، قائلين: «يحقّ لكم أن تمتلكوا صواريخ من الطراز الفلاني، ولا يحق لكم أن تمتلكوا ذاك الطراز؛ وعليكم الالتزام بهذا المدى، ولا تتجاوزوه!»؛ ما شأنكم أنتم؟ وما علاقتكم بهذا الأمر؟ إنّ هذا الشأن يخصّ الشعب الإيراني.

أو قضية الصناعة النووية السلمية. الصناعة النووية السلمية ليست من أجل الحرب، بل هي لإدارة شؤون البلاد؛ إنها للزراعة، والعلاج والصحة، والطاقة، ولكل ما يعتمد على الطاقة. الشعب الإيراني مشغول بعمله؛ فما شأنكم؟ وما علاقتهم به؟[9] أنّكم تقولون «هذا حقّنا المؤكّد» فهذا ما نصّت عليه أيضًا اتفاقيات ولوائح «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»؛ أي إن للدول كلها الحق في امتلاك المنشآت النووية داخلها، بل حتى امتلاك منشآت التخصيب. هذا جزء من حقوق الشعب. لماذا يتدخّل الأمريكيون في ذلك؟ هذا مؤشر على الاضطراب والاختلال الفكري لمدراء أمريكا اليوم وبالأمس - لا فرق بينهم - لماذا يتدخّلون؟ الأعجب من ذلك أنهم يتدخّلون ويقولون: «تعالوا لنتفاوض بشأن طاقتكم النووية، على أن تكون نتيجة التفاوض هي تخليكم عن هذه الطاقة»! إذا كان لا بدّ من تفاوضٍ فعلًا - مع أنّه لا محلّ للتفاوض - وإذا تقرر أن يجري تفاوض، فإنّ تحديد نتيجته مسبقًا عملٌ خطأ وحماقة. أنت حين تقول:«تعالَ لنتحدّث بشأن الموضوع الفلاني ونتوصّل إلى اتفاق»، فلماذا تُحدّد النتيجة سلفًا، وتقول: «لا بدّ أن نصل حتمًا إلى هذا الاتفاق»؟ هذه حماقة، طبعًا. هذا العمل الأحمق ينتهجه رؤساء أمريكا وبعض أعضاء «مجلس الشيوخ»، والرئيس الأمريكي نفسه، وغيرهم وغيرهم.

لا يعتقدون أنّ ذلك يشكّل عائقًا أمامهم. يعتقدون بأنّ جيشهم هو الأقوى في العالم، والرئيس الأمريكي يصرّ على تكرار هذه المقولة. إنّ أقوى جيش في العالم قد يتلقى أحيانًا صفعةً قويّة لدرجة أنه قد لا يقوى على النهوض بعدها. يقول باستمرار: «لقد أرسلنا حاملة طائرات نحو إيران»... حسنًا، بالطبع إنّ حاملة الطائرات هي قطعة [حربية] خطيرة، ولكن الأشدّ خطورةً منها هو ذاك السلاح القادر على إغراقها إلى قعر البحر.

قال الرئيس الأمريكي في أحد تصريحاته الأخيرة إنّ أمريكا عجزت طوال 47 عامًا عن القضاء على الجمهورية الإسلامية. لقد اشتكى إلى شعبه بأن أمريكا عجزت طوال 47 عامًا عن القضاء على الجمهورية الإسلامية؛ هذا اعترافٌ جيّد. أنا أقول له: وأنت أيضًا لن تستطيع فعل ذلك. الجمهورية الإسلامية تعني شعبًا حيًّا؛ فهي ليست حكومةً معزولةً عن الناس، بل هي قوامُ الشعب الإيراني؛ هذا الشعب الثابت والراسخ والمستعد لبذل الجهود والعمل الدؤوب في سبيل تقدّمه، وبحمد الله، فقد حقق تقدّمًا طوال هذه السنوات السبعة والأربعين. في ذلك اليوم الذي كانت فيه الجمهورية الإسلامية غرسةً غضّةً، لم تتمكنوا من اجتثاثها من جذورها وقلعها؛ أما اليوم، وبحمد الله، فقد غدت الجمهورية الإسلامية شجرةً مباركة، سامقة، ومثمرة.

في ختام حديثي، أودّ أن أتوجّه إلى المسؤولين الأعزّاء في الحكومة، وإلى المسؤولين المحترمين، فأقول لهم: إنّ كلّ مقدار من الجهد والعمل الذي يبذلونه، لا بُدّ أن يزيدوه ويضاعفوه. نحن نمتلك إمكانات وفيرة؛ ولذلك إنّ وجود هذا التضخّم في البلاد أمر غير منطقي، وتراجع قيمة العملة الوطنية إلى هذا الحدّ لا مُبرّر له؛ لا بدّ من إصلاح هذه الأمور، وبإذن الله ستُصلَح. لقد بدأ المسؤولون المحترمون ببعض الأعمال؛ وعليهم أن يواصلوها بجدّية، ودقّة، ومراعاة للجوانب كافة، وأن يعملوا على حل المشكلات الداخلية، وتهيئة بيئة أعمال هادئةً.

إذا كان هناك ثمة تهديد، فإنّ أدوات تحييده وتعطيله موجودة أيضًا بفضل الله. على الناس أن يواصلوا عملهم، ويمضوا في حياتهم، ويواصلوا دراستهم، ويجعلوا بيئة الأعمال هادئةً، ويتابعوا تجارتهم من دون قلق. ينبغي أن تسود في البلاد أجواء الطمأنينة، والثقة بالنفس، والسكينة؛ {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (الفتح، 26)؛ وإن شاء الله، سينزّل الله المتعالي السكينة والاطمئنان القلبي على كلّ فرد من أبناء الشعب، ويلطف بهم، ويوفّق المسؤولين أيضًا ليتمكّنوا من أداء [واجباتهم].

أرحّب بعائلات الشهداء الأعزّاء الذين قطعوا هذا الطريق الطويل وحضروا؛ أسأل الله لهم التوفيق جميعًا، وأن يحشر الله المتعالي هؤلاء الشهداء الأعزّاء مع النبيّ (ص).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

[1] المراسم التي أُقيمت في تبريز في مناسبة إحياء الذكرى الأربعين لشهداء أهالي مدينة قم في «انتفاضة التاسع عشر من دي» (9/1/1978)، وتعرّضت لهجوم عناصر النظام البهلوي المسلّحين، فأسفرت عن مجزرة دامية.

[2] ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في 11 شباط/ فبراير عام 1979.

[3] كلمة سماحته في لقاء مع مختلف فئات الشعب في مناسبة حلول عشرة الفجر (1/2/2026).

[4] المسيرة التي انطلقت بتاريخ 12/1/2026 ضدّ أعمال الشغب في مختلف مناطق جمهورية إيران الإسلاميّة.

[5] كلمة سماحته في لقاء مع مختلف فئات الشعب في مناسبة حلول عشرة الفجر (1/2/2026).

[6] «اللهوف»، ص. 23 (مع اختلاف بسيط).

[7] جزيرة أبستين.

[8] الحادي عشر من شباط/فبراير 2026، ذكرى انتصار الثورة الإسلامية.

[9] هتفَ الحاضرون: الطاقة النووية حقّنا المؤكد.