التقى قائد الثورة الإسلامية، الإمام الخامنئي، اليوم الثلاثاء (17/2/2026)، آلافًا من أهالي تبريز ومحافظة آذربيجان الشرقية. وفي هذا اللقاء، الذي جاء عشية الذكرى السنوية لانتفاضة 29 بهمن، عدّ سماحته تهديدات الرئيس الأمريكي دليلًا على رغبتهم في الهيمنة على الشعب الإيراني.

ومع تأكيده أن الأمريكيين - رغم تهديدهم بالحرب - يعلمون أنهم بسبب مشكلاتهم السياسية والاقتصادية، وتراجع مكانتهم الدولية، لا يملكون القدرة على تحمّل تبعات تنفيذ هذه التهديدات، قال سماحته: إنهم يدركون تماماً ما الذي ينتظرهم إذا ارتكبوا أي خطأ.

وأشار الإمام الخامنئي إلى تباهي الرئيس الأمريكي بامتلاك أقوى جيش في العالم، مؤكدًا: إن أقوى جيش في العالم قد يتلقى أحيانًا صفعةً تخرُّه صريعاً غير قادر على النهوض مجدداً.
وفي ما يخص التهديد المتمثل في تحريك حاملة طائرات حربية باتجاه إيران، قال قائد الثورة الإسلامية: إن حاملة الطائرات هي بطبيعة الحال قطعة حربية خطيرة، لكن الأشد خطورة منها هو السلاح القادر على إغراقها إلى قعر البحر.

ونوّه الإمام الخامنئي إلى اعتراف الرئيس الأمريكي بعجزه عن القضاء على الجمهورية الإسلامية رغم مرور 47 عامًا على الثورة، مؤكدًا: هذا اعتراف جيد، وأنا أقول له: أنت أيضًا لن تتمكن من فعل ذلك؛ لأن الجمهورية الإسلامية ليست نظامًا منعزلًا عن الشعب، بل تستند إلى شعب حي، ثابت، ومتماسك.

وذكّر سماحته أن الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتراكمة في أمريكا هي مؤشرات على أفول واندثار إمبراطوريتها، وقال: إن مشكلة أمريكا الحقيقية هي رغبتها في ابتلاع إيران، لكن الشعب الإيراني والجمهورية الإسلامية يحولان دون تحقق هدفهم.

ووصف قائد الثورة الإسلامية افتقار الإدارة الأمريكية للمنطق بأنه علامة أخرى على زوال هذه الإمبراطورية الفاسدة، مشيرًا إلى أن من مصاديق ذلك تدخلهم في شؤون إيران، ولاسيما في أحد أهم ملفاتها السيادية وهو ملف التسليح.

كما أشار إلى عبارة تاريخية للإمام الحسين (عليه السلام) تقول إنّ شخصًا مثله لا يبايع شخصًا مثل يزيد، وأضاف: الشعب الإيراني أيضًا يقول إنّ شعبًا مثلنا، بثقافته وتاريخه ومعارفه العظيمة، لن يبايع أشخاصًا فاسدين مثل حكّام أمريكا.

ووصف قائد الثورة الإسلامية انكشاف الفساد المدهش في قضية «الجزيرة السيئة السمعة» بأنه يعكس حقيقة الحضارة والديمقراطية الليبرالية الغربية، وأضاف: كل ما سمعناه عن فساد القادة الغربيين في كفّة، وقضية هذه الجزيرة في كفّة أخرى. وبالطبع هذا مجرد مثال على الكم الهائل من فسادهم، وكما أن هذه القضية لم تكن مكشوفة سابقًا لكنها انكشفت، هناك الكثير من القضايا الأخرى التي ستنكشف لاحقًا.

كما شدّد قائد الثورة الإسلامية على أنّ امتلاك الشعب لأسلحة الردع أمرٌ ضروري وواجب، وأضاف: إنّ أيَّ بلدٍ لا يمتلك أسلحة ردع يُسحق تحت أقدام أعدائه. لكن الأمريكيين، بتدخّلهم في ملفّ التسليح، يقولون: لا يحقّ لكم امتلاك نوعٍ معيّن أو مدىً معيّن من الصواريخ، في حين أنّ هذا الأمر يخصّ الشعب الإيراني ولا علاقة لهم به.

وعدَّ سماحته تدخّل الولايات المتحدة في حقّ إيران بامتلاك الصناعة النووية السلمية، لأغراض إدارة البلاد والاستخدامات العلاجية والزراعية وتوليد الطاقة، مثالًا آخر على افتقارهم إلى المنطق، وقال مخاطبًا الأمريكيين: هذا الأمر يخصّ الشعب الإيراني، فما شأنكم به؟!

وأشار الإمام الخامنئي إلى أنّ حقّ امتلاك المنشآت النووية والتخصيب منصوصٌ عليه ومعترفٌ به لجميع الدول في الاتفاقيات والقوانين الخاصة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأنّ تدخّل الأمريكيين في الحقوق الوطنية يدلّ على فكرٍ مضطرب وغير منسجم لدى مسؤوليهم، اليوم كما في الأمس.

ورأى قائد الثورة الإسلامية أنّ الأمر الأغرب في هذا الافتقار إلى المنطق يتجلّى في أسلوب دعوتهم إلى التفاوض، موضحًا: إنهم يقولون تعالوا نتفاوض بشأن الطاقة النووية، لكن نتيجة التفاوض يجب أن تكون ألّا تمتلكوا طاقة نووية!

وأكد الإمام الخامنئي أنّه إذا تقرّر إجراء مفاوضات، فإنّ تحديد نتيجتها مسبقًا عملٌ خاطئ وأحمق، وأضاف: إنّ هذا السلوك الأحمق تنتهجه الإدارة الأمريكية والرئيس الأمريكي وبعض أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، من دون أن يدركوا أنّ هذا المسار طريقٌ مسدود أمامهم.

كما أوضح قائد الثورة الإسلامية طبيعة فتنة شهر كانون الثاني/يناير. وأضاف: عملت الأجهزة الاستخبارية والتجسسية التابعة لأمريكا والكيان الصهيوني، بمساعدة أجهزة استخبارية من بعض الدول الأخرى، منذ فترة طويلة على جذب عدد من المجرمين أو ذوي الخلفيات الإجرامية، ومنحتهم التدريب والمال والأسلحة في الخارج، ثم أرسلتهم إلى الداخل لتنفيذ أعمال تخريبية وللهجوم على المراكز العسكرية والحكومية، حتى تتاح لهم الفرصة المناسبة للدخول إلى الساحة، وقد أتيحت لهم هذه الفرصة في ذلك الوقت.

وأشار سماحته إلى أن العناصر المدرَّبة دفعت بمجموعة من الأشخاص عديمي الخبرة والبسطاء إلى المقدمة، في حين دخلوا هم أنفسهم إلى الساحة بأسلحة متنوعة، وبسياسة «التحرك العنيف دون مراعاة»، فأحرقوا وقتلوا ودمّروا، على شاكلة «داعش»، بعنف شديد.

وأردف الإمام الخامنئي أن الهدف الرئيسي من هذه الممارسات كان زعزعة أسس النظام، وأضاف: بالطبع، وقفت القوات الأمنية، والتعبئة، وحرس الثورة، وعدد كبير من المواطنين في وجه مثيري الشغب، وفشل «الانقلاب» بوضوح رغم كل التحضيرات والتكاليف الضخمة، وكان الشعب هو المنتصر في الميدان.

وبخصوص الدماء التي أُريقت في الاضطرابات، أضاف سماحته: إن القلة التي كانت رؤوس الفتنة ومن بين الانقلابيين قد أودت بحياتها، وشأنها مع الله، لكننا نعدّ جميع الضحايا الآخرين أبناءنا، ونحن في عزاء على كلٍّ منهم.

ووصف قائد الثورة الفئة الأولى من الضحايا، وهم «القوات الأمنية، والتعبئة، وحرس الثورة، والمواطنون المرافقون لهم»، بأنهم شهداء الأمن وسلامة المجتمع والنظام، وأضاف أن الفئة الثانية من الضحايا، وهم المارّة والأبرياء، هم أيضًا شهداء. أما الفئة الثالثة فهي «القتلى الذين انخدعوا ورافقوا مثيري الفتنة».

وأشار الإمام الخامنئي إلى اعتراف الأمريكيين بصناعة «داعش»، وقال: إن ذلك التنظيم قد انتهى إلى حدٍّ ما، لكن هؤلاء «دواعش جدد»، ويجب على جميع المسؤولين والشعب أن يكونوا متيقظين تجاههم.

وفي الختام عدّ سماحته مسيرات «22 دي» و«22 بهمن» المذهلة من «الآيات الإلهية»، وشدد على أن الشعب العزيز، الذي استطاع بهذه الطريقة الانتصار على طمع الأعداء ومؤامراتهم، يجب أن يحافظ على هذا التوفيق الإلهي الجلي عبر «الاستعداد واليقظة والوحدة الوطنية».