نحن شهدنا الدعم المتكرر الذي تقدّمه الولايات المتحدة لأعمال الشغب، المقرون بتهديد بالعدوان العسكري؛ في رأيكم ما هي أسباب التدخل الأمريكي لدعم الفتنة؟

ليست المرة الأولى التي تعلن الولايات المتحدة الأمريكية أو حتى بعض الدول الغربية وقوفها إلى جانب المحتجين أو المتظاهرين في إيران لأسباب اجتماعية واقتصادية أو لأي أسباب أخرى. دائماً كان هناك تدخل مباشر في أي تحرك أو حركة احتجاج شعبي في إيران، التي تحدث مثلما تحدث في أي بلد آخر في العالم، حتى في الولايات المتحدة، حتى في فرنسا ظاهرة ما عرف بالسترات الصفر استمرت أكثر من سنة، وفي كل مرة كانت تواجه الشرطة الفرنسية بالقتل والاعتقال والاعتداء وما شابه ذلك.

لكن الحقيقة أن إيران كانت دائماً هدفاً للرؤساء الأمريكيين جميعهم منذ انتصار الثورة. هذه المرة كانت مختلفة في حقيقة الأمر، إذ كان التدخل معلناً وليس سرياً؛ تدخل مباشر وتهديد، ليس دعماً بعنوان حقوق الإنسان فقط كما يحدث عادة. لا، كان هناك تهديد بالتدخل المباشر بأننا سنضرب إيران إذا استمرت في مواجهة المحتجين أو اعتقالهم أو قتلهم، وأن هذا النظام يجب ألا يستمر.

بالإضافة إلى ذلك، كان هناك خطاب مباشر للمحتجين والمتظاهرين وحتى تأييد وتشجيع لأعمال الشغب، وقال ترامب شخصياً: «تابعوا أعمالكم واحتلوا المؤسسات». يعني المطلوب كان حالة من الفوضى في داخل إيران؛ لأن احتلال المؤسسات يعني أن السلطة لم تعد تسيطر على المؤسسات المدنية أو حتى الأمنية أو الطبية أو التعليمية أو غير ذلك.

لذلك، هذا الدعم المباشر الأمريكي كان الهدف منه استخدام المحتجين وتحويل حركة الاحتجاج إلى حالة من الفوضى العامة والمنظمة كعملية منظمة، ولكن تؤدي إلى الفوضى، فتفقد السلطة والقوى الأمنية السيطرة على البلاد. هذا الأمر بالنسبة إلى الرئيس الأمريكي كان هو الذي سيمهد للعدوان العسكري؛ وبما أن هذه الاحتجاج أصبح تحت السيطرة بعد مرور نحو عشرة أيام أو أكثر؛ أسبوعين تقريباً؛ فقد الرئيس الأمريكي الهدف؛ ولهذا تراجع.

لذلك كان المقصود من دعم هذه الاحتجاجات الوصول إلى نقطة يفقد فيها النظام السيطرة وتتصدع القدرات الأمنية ليصبح التدخل الإسرائيلي والأمريكي مباشراً ويحقق أهدافه.

ماهية ما حدث في إيران من أعمال الشغب كانت فتنة أمريكية، والهدف النهائي للولايات المتحدة هو إعادة إيران إلى الخضوع لهيمنتها العسكرية والسياسية والاقتصادية. كيف ترون ذلك؟

التحول الذي حدث في إيران وانتقالها إلى جمهورية إسلامية ترفع شعارات الاستقلال والحرية، هذا الأمر أدى إلى تغيير في المعادلة الاستراتيجية كلها في منطقة غرب آسيا، خرجت إيران من المحور الأمريكي، وأصبحت في محور مقابل، محور التصدي للهيمنة الأمريكية والتصدي للنفوذ الأمريكي، واتبعت إيران نهج الاستقلال. الاستقلال السياسي والتنموي والدفاعي. بالإضافة إلى موقفها الثابت في دعم حركات التحرر في المنطقة وحتى خارجها.

هذا الأمر لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية أن تتعايش معه منذ انتصار الثورة إلى اليوم. العقوبات بدأت بعض انتصار الثورة، ومحاولات إسقاط النظام كذلك، في الحرب العراقية المفروضة، وفي حركات داخلية، وفي عقوبات اقتصادية ونفطية ومالية.

هذه الأمور كلها تهدف إلى تطويق هذا النظام، وتغيير سياساته، وتغيير الاستراتيجية التي تحدثنا عنها، بهدف إعادته قصراً ورغماً عنه إلى تحت الإرادة الأمريكية. كما هي حال كثير من الأنظمة والحكومات في بلداننا العربية والإسلامية.

أما حقوق الإنسان والاحتجاجات والبرنامج النووي أو ما شابه ذلك، هذه كلها ذرائع لإعادة إيران إلى الهيمنة الأمريكية، وللسيطرة الأمريكية، وتغيير وجهتها الاستراتيجية. هذا المشروع الذي تقاتل من أجله إيران، والذي تتحمل من أجله الصعوبات والضغوط الاقتصادية.

الولايات المتحدة تعرف تماماً أن هذه العقوبات تؤذي الشعب الإيراني، وهي تعتقد أن هذه العقوبات ستجعله ينقلب على نظام الجمهورية الإسلامية. لهذا التزم رؤساء الولايات المتحدة كلهم بالعقوبات وبمزيد منها؛ ولهذا انقلب ترامب على الاتفاق النووي الذي حصل.

هذا يفسر لماذا كان ترامب يعتقد بأن هذه هي الفرصة المهمة السانحة بسبب هذه الاحتجاجات لتحقيق ما يطمح إليه، إما إسقاط النظام وإما إضعافه وإما تغيير سياساته، ولكن هذا الأمر لم يتحقق.

قال قائد الثورة الإسلامية: «نحن نعدّ الرئيس الأمريكي مجرماً، هو شخصياً، تدخّل فيها؛ هدّد وشجّع مثيري الفتنة. قدم عدداً من هؤلاء ـ هذه المجموعة التي خرّبت وأحرقت وارتكبت أعمالاً غير قانونية وقتلت ـ على أنّهم "الشعب الإيراني"؛ فافترى بذلك افتراءً كبيراً على الشعب الإيراني. قال: إنّ هؤلاء هم الشعب الإيراني، وإنّه يريد الدفاع عنه». ما هو تحليلكم عن هذا الموضوع؟

في رد مباشر وواضح وقوي على ادعاءات الرئيس الأمريكي بأنه يدعم المحتجين على أن هؤلاء لديهم الحق بما يفعلونه.

السيد القائد قال بصورة واضحة: إن هؤلاء المحتجين فعلوا أعمال شغب واعتداء وقتل، وليس احتجاجاً مقبولاً في الشوارع أو تظاهرات أو ما شابه ذلك. كان هناك خطة واضحة ومنظمة لزرع الفوضى وللقتل المباشر والمتعمد لمئات من الأفراد الأمنيين من الحرس وقوى الأمن والشرطة والجيش وغير ذلك.

الهدف كان دفع قوى الأمن في إيران إلى الرد بعنف دموي، فيتيح هذا الأمر للولايات المتحدة التدخل أو إصدار قرار من الأمم المتحدة بالتدخل على أساس أن هناك مجازر تُرتكب والدماء تسيل في إيران وما شابه ذلك.

لكن ما ذكره السيد القائد أن هؤلاء الذين يرتكبون الجرائم ويقتلون الناس ويحرقون المساجد ويحرقون وسائل النقل والمؤسسات، هؤلاء هم الذين يريد ترامب أن يدعمهم. نعم، أصلاً هذا حقيقي، فهؤلاء هم من يراهن عليهم ترامب، الذين يعمل القسم الأكبر منهم مع الولايات المتحدة ومع المخابرات الأمريكية والمخابرات الإسرائيلية.

الكلام الإسرائيلي والكلام الأمريكي كانا واضحين بأنها فرصتنا الأخيرة، وأننا يجب أن ندعم ونتدخل، بغض النظر عن اعترافات هؤلاء الذين اعتُقلوا.

هنا الربط بين الرغبة في التدخل الأمريكي لدعم الفتنة، لا لدعم حركة احتجاج عادية وطبيعية، وإنما دعم مشروع يهدف إلى تفكيك المجتمع الإيراني وإلى تحويل هذه الحركة إلى فتنة دموية في داخل إيران. لذلك، هذا الربط كان لضرب المنطق الذي تحدّث به الرئيس الأمريكي ليبرر التدخل في إيران.

هذا طبعاً في نهاية المطاف كما أشرنا لم ينجح. نعم، دُفعت أثمان كبيرة، ولكن الشعب الإيراني كان حاضراً في الميدان.

كيف رأيتم الحضور الشعبي الحاشد في مسيرة 22 دي، وكيف سبّب هذا الحضور قصم ظهر الفتنة؟

في الحقيقة، يجب تأكيد هذه النقطة؛ فقد بدأت حركة احتجاج من التجار، ولكن تحول الأمر إلى مشروع، مشروع فتنة، ومشروع تفكيك إيران، ومشروع تبرير الهجوم الخارجي العسكري على إيران.

الرد القوي لم يقتصر فقط على المواقف الرسمية، أو البيانات أو حتى اعترافات المعتقلين. هذا كان جزءاً مهماً لتحضير ما يحدث وشرحه للرأي العام الإيراني أيضاً وليس فقط للعالم الخارجي. هذا الذي مهد لخروج الشعب الإيراني في التظاهرات المليونية في معظم المدن والمحافظات الإيرانية التي رفعت شعارات الرفض لهذه الفتنة، ورفض التدخل الخارجي، والوقوف خلف النظام؛ نظام الجمهورية الإسلامية وخلف القائد. هذا عملياً ما تحقق.

هذا كان ضربة كبيرة للمشروع الأمريكي وللرئيس ترامب نفسه. أخطأ الأمريكيون؛ لأن ما حدث كأنه امتداد لحرب الاثني عشر يوماً، الإيرانيون لم ينسوا هذا العدوان، الذي ذهب ضحيته المئات من المدنيين الإيرانيين.

لهذا خرجوا بقوة ليقولوا إن هذا هو الشعب الإيراني الذي يقف خلف النظام، لا يريد الاقتتال الداخلي، ولن يسمح بأي عدوان خارجي.

لهذا، الرهان الأمريكي على التغيير من الداخل كان خطأ. الرهان الإسرائيلي على العملاء الذين جندهم في الداخل الإيراني لم يكن ليحقق الأهداف التي أرادها الإسرائيلي أو الأمريكي والتي كانت كلها ستبرر الهجوم على إيران.

إذاً الملايين التي خرجت، خرجت لتقول إنه: هذا هو الشعب الإيراني وليس من يراهن عليه ترامب، الذي يقتل ويعتدي ويحرق المساجد والمقدسات، وليس من تراهنون عليه في الخارج مثل ابن الشاه أو غيره، من لا يعترف به أحد في داخل إيران.

إذاً الرسالة كانت قوية وأفشلت المشروع والخطة الأمريكيين لضرب إيران أو للفوضى الداخلية. بالتالي، تخطت إيران هذه المرحلة وهذا المشروع، وانتقلت إلى مرحلة أخرى لإعادة دراسة هذا الوضع وما نتج منه.

بالتالي، من المؤكد أن الولايات و"إسرائيل" تعيدان اليوم دراسة حساباتهما والفشل الذي تعرضتا له في هذه العملية ومراجعتها.