بالنظر إلى أن قائد الثورة الإسلامية أكّد أن مواجهة أمريكا مع الجمهورية الإسلامية كانت قائمة منذ بداية الثورة، ما رأيكم في الأسباب والعوامل التي تعود إليها جذور هذه المواجهة على مدى العقود الماضية؟

النقطة المهمة هي أن قائد الثورة الإسلامية شدّد على أن هناك مواجهة دائمة من جانب الأمريكيين مع الجمهورية الإسلامية. الحقيقة هي أنه إذا عرفنا ما حدث في الخمسين سنة من حكم آل بهلوي في إيران، وما الذي تسبب به محمد رضا بعد انقلاب سبتمبر 1941 من ظروف لإيران وما الجو التدخلي الذي أتاحته لأمريكا، وإذا فهمنا أن جميع المقدّرات السياسية والاجتماعية والثقافية والأمنية والعسكرية وحتى العلمية في البلاد كانت تحت سيطرة الأمريكيين، عندها نستوعب لماذا لا تزال هذه المواجهة مستمرة.

في الواقع، فقدَ الأمريكيون لقمة دسمة وسهلة في إحدى المناطق الأكثر جيوسياسية في العالم مع انتصار الثورة الإسلامية، ويعتقدون أن الثورة الإسلامية قد تفتح طريقًا لتحرير العديد من البلدان سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة، وسواء في غربي آسيا أو خارجها. عُرّفت جمهورية إيران الإسلامية بعد نجاحها في «الدفاع المقدس» كنموذج للتحرر في العالم، وكثيرون ممن ساروا في هذا الطريق أو لم يسيروا فيه يرون الجمهورية الإسلامية نموذجًا للتحرر من الاستكبار العالمي والإمبريالية العالمية. بناءً على ذلك، يسعى الأمريكيون لمنع توسّع وانتشار هذا النموذج على المستوى الدولي.

بناءً على ذلك، كان سعيهم منصبًّا على إبقاء الثورة الإسلامية محصورة في الجغرافيا الإيرانية، وبعد فشلهم في ذلك وأصبح هذا النموذج مصدر إلهام للعديد من التحركات التحررية، باتوا يريدون إيجاد ظروف تجعلها تعاني في مجالات مختلفة من مشكلات وأضرار جسيمة، بما يؤدي إلى إرباك هذا النموذج وزعزعته، بل إنهم يسعون، إن استطاعوا، إلى إعادة الأوضاع إلى الوراء كما أشار قائد الثورة الإسلامية، وابتلاع إيران، وقد تركزت كل مساعي الأمريكيين دائمًا على هذا الهدف.

 

ما الهدف الذي يسعى إليه الأمريكيون، ولا سيّما الرئيسُ الأمريكي، عبر التهديدات المتكرّرة بإرسال حاملات طائرات متطورة باتجاه إيران؟ وهل يمكن لمثل هذه التهديدات أن تحقّق هدفهم في ترهيب الشعب الإيراني؟

هذا الإجراء الأمريكي ليس الأوّل من نوعه، فقد تكرّر طوال العقود الأربعة الماضية تهديدُ الجمهورية الإسلامية بعمليات عسكرية عبر حشد المعدّات وإرسال القطع البحرية إلى المنطقة، حتى إنّ الديمقراطيين الذين كانوا، في الظاهر، يمدّون أيديهم إلى الجمهورية الإسلامية بقفّازات مخملية، كانوا دائمًا يتحدّثون عن «الخيار العسكري» ويقولون إنّ «كلّ الخيارات مطروحة على الطاولة». وعندما كانوا يتحدّثون عن الخيارات، كان أهمّها وأقواها هو الخيار العسكري. أمّا ما يميّز ترامب عن سائر الرؤساء، فهو صراحته الفجّة، وأسلوبه المتغطرس، وطبيعة تعامله مع قادة ورؤساء الدول الأخرى؛ إذ يطرح مواقفه وموضوعاته عبر أدوات الضغط، وبأدبيّات ركيكة للغاية وغير دبلوماسية على الإطلاق.

في ما يخصّ إيران أيضًا، يقوم هو بهذا الإجراء ذاته. لذلك، أوّلًا إنّ هذا الإجراء ليس جديدًا بالنسبة إلى الجمهورية الإسلامية، وثانيًا إنّ هذا السلوك يُعدّ بالنسبة إلى الأمريكيين عملًا اعتياديًا وله سوابقه. وعلى هذا الأساس، يجب القول إنّ إرسال حاملات الطائرات والمعدّات والإمكانات العسكرية، التي تعمل وسائل الإعلام - طبعًا - بمضاعفة حجمها وتضخيمها، يهدف إلى محاولة بثّ الرعب والخوف في نفوس الشعب الإيراني، والأهمّ من ذلك في نفوس المسؤولين الإيرانيين، لكي لا يتمكّنوا، تحت تأثير الرعب والخوف المسيطر على أذهانهم، من اتخاذ قرار عقلائي ومسار استقلالي.

ومع ذلك، وبسبب وجود قادة شجعان لا يتأثّرون بهذه الحرب النفسية، فقد كانت سياسة بثّ الرعب هذه عديمة الجدوى لدى الشعب والمسؤولين في إيران. إنّ مسار الجمهورية الإسلامية في الوقت الحالي هو ذاته الذي كان عليه منذ البداية. وبناءً عليه، فإنّ سياسة ترهيب الشعب الإيراني والمسؤولين الإيرانيين تُعدّ تجربة واضحة وشفافة تمامًا أمام أعيننا، وقد أثبتت التجربة أنّها بلا تأثير. كما أعلن قائد الثورة الإسلامية بصراحة أنّ الشعب الإيراني لا يخاف من هذه المسائل والأمور، وأنّه لن يتخلّى عن مساره الاستقلالي، الشجاع، والقائم على العقلانية.

 

لم تكن جمهورية إيران الإسلامية يومًا البادئة إلى حرب ضدّ الآخرين، لكن مع ذلك، أثبتت تجربة الحرب المفروضة ثمّ حرب الاثني عشر يومًا أنّ طهران، في حال تصرّف العدوّ بعدوانية ولجأ إلى الاعتداء والتجاوز، تردّ بقوّة. ما تقييمكم لهذه المقاربة، وما هي تبعاتها على واشنطن في حال ارتكاب أيّ حماقة محتملة؟

هذه حقيقة، فعلى مدى الثلاثمئة عام الماضية، لم تشنّ إيران أيّ حرب أو عدوان على أيّ بلد، بما في ذلك الدول الصغيرة والمحيطة بها. في حين أنّه بعد انتصار الثورة الإسلامية، شهدت إيران اعتداءات متعدّدة، عسكرية وشبه انقلابية، وما يُسمّى بالثورات الملوّنة أو الانقلابات الملوّنة، في إطار أعمال شغب وكذلك إجراءات عدائية. إنّ عدم تعرّض جمهورية إيران الإسلامية للآخرين يُعدّ مبدًأ واضحًا وشفافًا. فالجمهورية الإسلامية، في مختلف القضايا والتجارب، بما فيها الحرب المفروضة، والمؤامرات الداخلية، وحرب الاثني عشر يومًا، وكذلك في هذه الاضطرابات الانقلابية الأمريكية الصهيونية، لم تعتدِ يومًا على أيّ بلد، ولا على أيّ فرد، ولا على أيّ جماعة، ولا على أيّ تيار. في المقابل، ردّت إيران دائمًا بقوّة على أيّ مؤامرة خارجية أو داخلية، وكان آخر ردّ لها إفشال الانقلاب الأمريكي الصهيوني، الذي جرى فيه التعامل مع الشعب الإيراني، ومع الممتلكات الخاصة والعامة للبلاد، بأسوأ الأساليب الداعشية.

لا بدّ أن نعلم أنّ الجمهورية الإسلامية، في مواجهة تصاعد غضب أعدائها في الخارج أو مؤامرات ومشاريع الفتنة الداخلية، لن تخرج يومًا عن طريق الحقّ والعدالة. وبناءً على ذلك، ينبغي الالتفات إلى أنّه إذا أقدمت أمريكا على تنفيذ تهديداتها اللفظية والعسكرية، فإنّها قطعًا ويقينًا ستتعرّض لخسائر غير قابلة للتعويض. وفي الواقع، في حال السلوك العدائي لأمريكا ولجوئها إلى الاعتداء والتجاوز على الجمهورية الإسلامية، فإنّ واشنطن ستتكبّد خسائر فادحة، أي إنّ مصيبة كبرى ستلحق بها على الصعيد البشري، وكذلك في مجال تدمير البنى التحتية الاقتصادية الأمريكية، بأيّ شكل كانت وفي أيّ موقع وُجدت في المنطقة. ولن يقتصر الأمر على تضرّر القواعد العسكرية أو السفن وحاملات الطائرات فحسب؛ فكلّ أمريكي في أيّ نقطة من نقاط المنطقة - في حال الاعتداء على الجمهورية الإسلامية - سيكون هدفًا مشروعًا لإيران الإسلامية، وكلّ نقطة في المنطقة ولو تضمّ استثمارًا أمريكيًا بقيمة دولار واحد ستكون هدفًا مشروعًا لإيران الإسلامية. ولذلك، إذا كان الأمريكيون يفكّرون بحرب محدودة ذات ضربات ثقيلة وسريعة، فعليهم أن يدركوا أنّ هذه الحرب ستكون حتمًا حربًا طويلة الأمد واستنزافية تمتدّ إلى كامل المنطقة بالنسبة إليهم.

 

قال قائد الثورة الإسلامية في كلمته الأخيرة: «ليعلم الأمريكيون أنّه إذا أشعلوا حربًا هذه المرّة، فإنّ هذه الحرب ستكون حربًا إقليمية». ما هو تحليلكم لطبيعة هذه الحرب الإقليمية وأبعادها؟

بطبيعة الحال، لم تحدّد جمهورية إيران الإسلامية نطاقًا جغرافيًا معيّنًا للردّ على الأمريكيين؛ فجميع النقاط التي يكون لأمريكا فيها، بأيّ شكل من الأشكال، دور أو حضور - سواء في المجال التكنولوجي، أو السيبراني، أو الاقتصادي، أو الدفاعي، أو الأمني، وغيرها - ستتعرّض لأضرار جسيمة في مختلف هذه المجالات وعلى امتداد المنطقة بأسرها. إنّ القانون الدولي يمنح الجمهورية الإسلامية هذا الحقّ في استخدام جميع إمكاناتها الدفاعية للدفاع عن مصالحها، وهذا الأمر منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، وستستفيد إيران منه على النحو الأمثل. ويمكن للأمريكيين أن يسألوا كبار مسؤولي الكيان الصهيوني عمّا حلّ بالمباني والمراكز العسكرية التابعة لهذا الكيان في حرب الاثني عشر يومًا؛ فلا تزال آثار الدمار واضحة وجليّة في الأراضي المحتلّة. وإذا كان هناك من يشكّ في قدرة الجمهورية الإسلامية على الدفاع عن نفسها بصورة جيّدة، فبإمكانه أن يزور الأراضي المحتلّة ليرى حجم الدمار الذي خلّفته صواريخنا في اليومين الأخيرين، ولا سيّما في اليوم الأخير من الحرب. كما أنّ من الضروري الالتفات إلى هذه النقطة المهمّة، وهي أنّ أيّ أخطأ أو سوء تقدير استراتيجي يرتكبه الأمريكيون سيترتّب عليه ندم استراتيجي بالنسبة لهم.