أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين، أبي القاسم محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الأخيار المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. السلام عليك يا مولاي وسيدي يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك. عليكم مني جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم. السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين. الإخوة والأخوات، السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.

تحدثنا في الليالي الماضية بما فيه الكفاية عن معنى الجهاد الأوسع والأشمل وقلنا: الجهاد كما يعرّفه سماحة السيد القائد [علي الحسيني الخامنئي] - حفظه الله - هو بذل الجهد في مدافعة العدو، وليس في الساحة العسكرية والأمنية فقط، وإنما في كل ساحة فيها مدافعة أو تدافع أو مواجهة مع العدو. ومن جملة هذه الساحات، يأتي جهاد التبيين. من المفيد إضافة كلمة لأمير المؤمنين (ع) في وصيته للحسنين (ع) في الوصية المعروفة: «الله الله في الأيتام، الله الله في القرآن». الأمير (ع) يقول: «الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله». إذاً، هناك جهادٌ بالمال، وهناك جهادٌ بالأنفس بالنفس، وهناك جهادٌ باللسان. واللسان هنا هو أهم مصداق للتبيين والبيان، وهذا يشمل القلم والكتابة وكل أشكال التعبير الأخرى.

 

أساسيات جهاد التبيين

هناك أساسيات في جهاد التبيين يجب أن نؤكدها، وأنا استفدت في كل ما سأقوله الليلة وأعرضه في خدمتكم من كلمات وتوجيهات وخطابات سماحة السيد القائد، دام ظله الشريف.

أ) إقناع المخاطب

أول أساس [هو] إقناع المخاطب، أنا وأنتم، لأننا اتفقنا أن هذا مسؤولية الجميع. يجب أن يكون [المُخاطَب] العقول والقلوب، أي نحنُ معنيّون في هذا الجهاد أن نخاطب العقول ونخاطب القلوب. لماذا؟ تعرفون أنّه تم تقسيم الناس إلى عالمٍ ربانيّ ومتعلمٍ على سبيل النجاة وهمج رعاع يميلون مع كل ريح وينعقون مع كل ناعق. ماذا كان يريد الأنبياء (ع)؟ كانوا يريدون الناس متعلمين على سبيل النجاة، أي أن يكون عندهم حد أدنى من العلم والفهم والمعرفة والوعي لينجوا في الدنيا والآخرة. وليس المقصود هنا أن يقوم الفرد بخطابات وبيانات وجهاد شاسع ليجمّع الناس فقط في إطار انفعالي وعاطفي وحماسي، لأنَّ هؤلاء الناس عند أول هزة أو عاصفة، عند أول ريح أو زلزال، عند أول شبهة أو شائعة، عند أول ترهيب أو ترغيب، يمكن أن يسقطوا. إذاً، يجب اعتماد منهجية إقناع المخاطبين، إقناع عقولهم والدخول إلى قلوبهم.

المخاطب أيضاً يجب أن يكون الناس، كل الناس وليس النخب. هذه واحدة من الاشتباهات. اليوم حركة الإمام الخميني (رض) عندما بدأت في مطلع الستينيات، كل خطابات وبيانات الإمام كانت موجّهة إلى الشعب الإيراني بكلّه، بينما مثلاً قبل الإمام، وفي زمن الإمام أيضاً، كان هناك قادة، إصلاحيون إسلاميون أو أحزاب وحركات إسلامية، تركز خطابها على النّخب وتركز جهدها على النّخب. إن خط الإمام ومنهج الإمام الخميني هو منطبق مع منهج الأنبياء (ع). الأنبياء (ع) كانوا يخاطبون الناس، كل الناس، وليس النّخب فقط. القرآن خاطب الناس جميعاً: يا بني آدم، يا أيها الناس)، وإذا أراد تضييق الدائرة: يا أيها الذين آمنوا. إذاً، الخطاب يجب أن يتوجه إلى جميع الناس.

الخطاب الإقناعي يجب أن يستند إلى المنطق والدليل. يجب أن يستند [أولاً] إلى الدليل والمنطق. نأتي بشواهد ونستفيد من الواقع والحق والحقيقة والتجارب ونقدمها إلى الناس لإقناعهم. أيضاً يجب أن يستند إلى الكلام الطيب واللين والكلام الجميل مع الناس. من الممكن أن يريد شخص ما إقناع الناس فيقوم بإهانتهم وسبّهم. هذا ليس إقناعاً بل إهانة للناس. نعم، مع الأعداء والخصوم أحياناً قد تحتاج إلى كلام شديد، وهذا له علاقة بطبيعة الظرف والمقام والمكان والزمان. أيضاً يجب أن يستند جهاد التبيين في عملية الإقناع وغيرها إلى الكلام الواضح والبسيط والمفهوم كي يفهم الناس، والأفضل هو السهل الممتنع لأن الهدف هو إقناع الناس وليس تبيين علم أننا نعرف مصطلحات علمية وأكاديمية وحوزوية وما شاكل. أيضاً أعود إلى تجربة الإمام الخميني (قده): عندما تقرؤون كتبه العلمية، ترون أنّها كتب علمية متينة حوزوية أكاديمية [تتضمن] مصطلحات وفلسفة وعرفاناً وفقهاً وأصولاً، ولا يفهمها إلا طلاب الحوزات والعلماء المتخصصون. لكن عندما تأتي إلى خطاب الإمام، خطابه السياسي وبياناته التي كان يصدرها، ترى أنّ خطاب الإمام وبياناته لغتها بسيطة جداً ومفهومة. الإنسان العادي وحتى الأمّيّ قادر على فهمها. إذاً، يجب أن يكون الخطاب عموماً سهلاً وبسيطاً ومفهوماً.

ب) الصدق والتزام الضوابط الأخلاقيّة

يجب أن يستند جهاد التبيين إلى الصدق وهذه نقطة القوة. يجب ألا يكون هناك كذب في خطاباتنا ونحن لا نحتاج إلى أن نكذب. هناك بعض الناس بهدف إقناع الطرف الآخر من الممكن أن يكذب عليه ويقدم إليه معلومات مخطئة ويعتمد سياسة التحريف والتزوير في تقديم المعطيات أو تحليل الوقائع أو تبيين أهداف الطرف الآخر. نحنا في جهاد التبيين نعتمد الصدق. الصدق مثل الوضوح، دون كذب وتحريف وتزوير واختلاق وقائع. لدينا كما قلت من قوة المنطق والحق والحقيقة والتجارب التاريخية ما يغنيك عن الكذب بمعزل عن كونه حراماً، كيف وهو حرام؟ [كذلك يجب] اجتناب الشتائم والسباب والإهانات الشخصية والبهتان، أي التزام الضوابط الأخلاقية، وهذا أساس أيضاً. هكذا كان الأنبياء والأولياء والأوصياء طوال التاريخ. نحن عندما يكون هدفنا هو إيصال الحق والحقيقة إلى أسماع الناس، الأصدقاء والأعداء والمحايدين، لا يجوز أن نلجأ إلى الشتم والسباب والبهتان، وخصوصاً أنه لا ينسجم مع أخلاقنا وقيمنا الدينية.

ج) الشجاعة

يجب أن يستند جهاد التبيين إلى الشجاعة في طرح المسائل والأمور. كما تكلمنا في الليالي الماضية، إنّ واحدة من مواصفات الأنبياء أنهم كانوا شجعاناً يخشون الله ولا يخشون أحداً غير الله. ميزة تبليغ جهاد التبيين في حادثة كربلاء أنه أُسند إلى سيدةٍ عظيمةٍ هي قمة في الشجاعة، هي السيدة زينب (ع). الشجاعة يجب أن تستند إلى الحكمة، الحكمة بمعنى أن يقول الكلام المناسب والتوضيح المناسب في الزمان المناسب والمكان المناسب.

د) المداومة والتكرار

يجب أن يستند جهاد التبيين، كما يقول أيضاً سماحة القائد، إلى المداومة والتكرار. هناك نوع من الموضوعات والقضايا يجب أن تُشرح وتُعاد وتتكرر لأن المطلوب تكوين رأي عام، تكوين قناعة، تكوين اعتقاد وثقافة وتربية روحية. وهذا لا يحصل إذا قال أحد ما كلمته ومشى. لذلك، نرى أنّ الأنبياء والكتب السماوية كذلك كان فيها تكرار. تكرار قصة موسى (ع) مع فرعون ومع السحرة مرة واثنتين وثلاثاً وأربعاً وخمساً لأن هناك ثقافة وتوجيهاً وتربية... قصة إبراهيم (ع) مع الأصنام مع قومه مع النمرود وهكذا. هناك توجيهات وإرشادات كرّرها الله - سبحانه وتعالى - في القرآن على مدى 23 عاماً. يقول مثلاً [في أكثر من موضع]: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}. إذاً، هذا الموضوع يحتاج إلى التكرار والمداومة.

ه) شرح الحيثيات للناس

من جملة ما يجب أن يستند إليه أيضاً جهاد التبيين شرح حيثيات القرارات والتوجهات للناس. هذا ما كانت تعمل عليه المقاومة منذ 40 سنة. لا يكفي أنه قيادة شرعية أو قيادة مطاعة أو قيادة موثوقة، وتصدر قرارات، وعلى الناس أن تطيع. هذا غير صحيح. حتى الله - سبحانه وتعالى – في القرآن وفي ما يرتبط به هو - عز وجل - وبوجوده وبوحدانيته وبتوحيده وبصفاته وبرحمته هو يستدل في القرآن ويشرح ويبيّن ويأتي بالأدلة والشواهد والآيات. إذاً، جهاد التبيين الأصل فيه الإقناع. وكما تكلمت في الليالي الماضية، هذا أحد أسباب قوة المقاومة في لبنان واستمرار وبقاء وصمود وانتصار واحتضان الناس للمقاومة في لبنان، أن المقاومة كانت دائماً تشرح وتبيّن وتوضّح.

ز) قبول النقد

من جملة الأمور التي أيضاً يجب أن نستند إليها في جهاد التبيين هو قبول الانتقاد والملاحظات سواءً جاء النقد في جلسة داخلية أو مقالة أو موقع على التواصل الاجتماعي، ولكن طبعاً أن يكون النقد نقداً. تارةً يكون بهتاناً وشتماً وسباً وإهانة وتضعيف. هذا حرام لأسباب أخرى. لكن إذا كان عند أحدهم ملاحظة، فمن المفترض أن نبيّن له التباسه، لا أن ندير ظهرنا ونمشي. نحن طلاب حق وحقيقة. يجب ألا يكون لدينا عناد وتعصب لا لفكرة ولا لإطار ولا لشخص.

ح) الاستفادة من الوسائل كافّة

النقطة الأخيرة في الأساسيات هي الاستفادة من كل الوسائل والإمكانات المتاحة: الإمكانات البشرية والمادية والإعلامية والتكنولوجية وكل الإمكانات المتاحة والوسائل والأساليب القديمة والحديثة. لماذا؟ لأنه في الحقيقة، في هذه المواجهة، كما المواجهة العسكرية، لا يوجد تكافؤ. العدو لديه إمكانات هائلة جداً، لكن عندما تستخدم كل الإمكانات المتاحة لديك بصدق، سوف ينصرك الله - سبحانه وتعالى - وقد نصرك بالمعركة العسكرية، وكذلك في المعركة الإعلامية والسياسية... التي يجمعها عنوان جهاد التبيين. عندما تستخدم كل الإمكانات المتاحة وكل القدرات المتاحة بأقصى طاقة وبصدق وبإخلاص، أيضاً سوف ينصرنا الله - سبحانه وتعالى - في هذه المعركة كما نصرنا وينصرنا في المعارك العسكرية.

 

المواجهة مع العدو

ننتقل إلى المقطع الثاني: «في المواجهة». حسناً، كيف يجب أن نكون في المواجهة مع العدو لأن هذه المواجهة هي الأصعب والأخطر حتى من المواجهة العسكرية والأمنية، يعني من القتال بالسيف. الله - سبحانه وتعالى - يقول مرتين في القرآن، في سورة التوبة وسورة الصف: بسم الله الرحمن الرحيم {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. لم يقل بسيوفهم. قال بأفواههم لأنهم قد لا يقدرون بالسيوف على ما يقدرون [عليه بأفواههم]. وفي سورة الصف: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}. إذاً، المعركة هنا معركة الأفواه. الله - سبحانه وتعالى - ينبهنا أنَّ الخطر الأكبر الذي يأتي من أعداء الله وأعداء البشرية هو من الأفواه وليس المقصود هنا من الأفواه مجرد الكلام، بل المقصود كل شيء له علاقة بالإعلام بالتبيين. هذه المعركة الإعلامية النفسية الثقافية خطيرة جداً ومهمة جداً والعدو يستخدم فيها كل خيله ورجله كل إمكاناته ومقدراته، لأنه ليس لديه ضوابط أخلاقية وشرعية ولديه الكثير من المال والقدرات البشرية، ويستخدمها جميعها لخدمة معركته الإعلامية والثقافية والنفسية.

في هذه المعركة، يجب أن نعرف أولاً خطورة المعركة وأهميتها، وثانياً يجب أن نعرف ماذا يفعل العدو: خطة العدو وسائله وأساليبه... حتى نتمكن من المواجهة كما في الشأن العسكري.

[التفتوا] العدو يخاطب العقول والقلوب وليس الأبدان والأجساد فحسب، وكما قلنا في حركة الأنبياء (ع) يجب أن يكون الخطاب للعقول والقلوب أيضاً. العدو يخاطب العقول والقلوب. أين يوسوس إبليس؟ في صدور الناس. العدو يعمل بقوة على تغيير القناعات وإيجاد قناعات بديلة، وتبديل الآراء والأفكار وزرع أفكار وآراء، ويعمل على عقائد الناس وأفكارهم وأهوائهم حتى يستطيع السيطرة عليها. وهذا ما نسميه معركة الرأي العام، معركة القناعات.

نأخذ بعض الشواهد كأمثلة لتصير الفكرة واضحة من المعركة التي تحتاج إلى جهاد تبيين مع العدو. العنوان الأول في معركة العدو وأساليب العدو: قلب الحقائق. العدو أصلاً يعتمد قلب الحقائق: يكذب، يزوِّر، يبدل الحقائق، من أجل خداع الناس، خداع العقول والقلوب. على سبيل المثال أميركا تُقدم نفسها أنها حامية السلام في العالم والمدافعة عن السلام العالمي!

عنوان آخر: العدو يعمل على بث اليأس في المواجهة الإعلامية والثقافية والتربوية ليصيبهم بالإحباط وعدم الثقة بالنفس والشعب والقيادة والإمكانات والقدرات، وعدم الثقة بحضارتهم وانتمائهم الفكري والعقدي والديني. عندما تفقد الثقة بنفسك وناسك ومن معك، سوف تستسلم. اليأس والإحباط وعدم الثقة نتيجتها الاستسلام. يركز مثلاً على مجموعة خطوات منها إبراز نقاط الضعف عند الشعوب ويعمل على تكبيرها، وأحياناً نحن نساعده ونعمل على تضخيمها. تكون هي نقطة ضعف صغيرة «فنعمل منها قبّة». ثانياً التعمية على نقاط القوة. لا يعترف بنقاط لديك. لا يتكلم عليها بل يوهّن بها. من جملة الوسائل أيضاً لبث اليأس إبرازُ قوة العدو وعظمته وجبروته مثلاً. واحد من أهداف المناورات العسكرية الحرب النفسية. في المواجهة أولاً يجب أن نعمل على عدم الخضوع لمناورات العدو وحربه النفسية وكشف زيف حقيقته. الجيش الذي لا يقهر أثبتت المقاومة في لبنان وفلسطين أنه جيشٌ يقهر، وأنه جيشٌ يهزم، وأنه جيشٌ يذل. هذا صار في الميدان ويجب أن نظهّره في جهاد التبيين.

انظروا إلى الحركة الكربلائية: في قلب مجلس يزيد وزينب (ع) مسبية، تخطب زينب (ع) في مواجهة يزيد في عاصمته وقصره. [تقول له:] «فكد كيّدك واسعَ سعيك وناصب جهدك فوالله لا تميت وحينا»، لأن هدفك إضاعة الإسلام. «لا تميت وحينا»، ماذا يعني وحينا؟ يعني وحي محمد بن عبد الله (ص). «فواللهِ لا تميت وحينا ولا تمحو ذكرنا»، ثم تقول: «وما أيامك إلا بدد إلا عدد». أما هذا الدين وهذه الرسالة وهذه المسيرة النبوية الإلهية هي التي ستستمر وتتصل إلى أن تملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً. هذه السيدة زينب (ع). هذا الخطاب الذي يبعث الأمل حتى والمحيط أجساد مقطعة ورؤوس مقطعة والنساء مسبيات! يجب أن نركز في جهاد التبيين على أن يثق الناس بربهم وأن يثق الناس بأنفسهم وأن يثق الناس بشعوبهم وأن يثق الناس بإمكاناتهم وبعقولهم وبذكائهم وبإبداعهم.

 

الشبهات والشائعات

من جملة العناوين التي يركز عليها العدو بث الشبهات والشائعات للنيل من عقولنا وقلوبنا وأفكارنا والرأي العام. في أُحد، كان المسلمون منتصرين في البداية، ثم ترك المقاتلون الذين كانوا يقفون على التل مكانهم ونزلوا لأخد الغنائم مخالفين أمر رسول الله (ص) فانقلب النصر إلى هزيمة. مع ذلك، كانت المعركة متوازنة نوعاً ما حيث أن النبي كان في قلب المعركة. جاء الكفار ومشركو مكة وبثّوا إشاعة: «قتلنا محمداً». المسلمون بدلاً من أن يتأكدوا من عدم صحة الشائعة صاروا يروّجونها: «قُتل رسول الله! قُتل رسول الله!». هذا كان أيضاً من أهم الأسباب لترك الناس للمعركة. التفتوا: ماذا تفعل الشائعة؟ من الممكن أنّ تغيّر مسار معركة من نصر كامل إلى هزيمة كاملة. في مواجهة الشائعات، يجب أن يكون لدينا جهاد التبيين، في فضح هذه الشائعات وتكذيبها.

في ما يخص الشبهات... إثارة الشبهات سواءً في الموضوع العقدي أو الديني أو الفكري أو السياسي أو القضايا الحياتية المختلفة. تحت ضغط الحرب يبث مجموعة من الشبهات، وتحت ضغط الحصار الاقتصادي يبث مجموعة من الشبهات. أنت بجهاد التبيين يجب أن تشرح للناس هذه الشبهة. إثارة الشبهات أمر خطير جداً. الشبهات هي من أخطر الحروب، وجهاد التبيين من أهم مسؤولياته مواجهة الشبهات.

طبعاً في ما يخص مواجهة الشبهات: أولاً في ما يخص الشبهات القديمة غير المتداولة بين الناس، العقدية والفكرية والفلسفية والثقافية، لا داعي للعمل عليها كونها غير متداولة بين الناس. دعونا نبحث عن الشبهات المطروحة فعلياً ونجيب عنها. ما الذي يقال، ما الذي يطرح من شبهات في وسائل الإعلام الهائلة: آلاف الفضائيات، آلاف الجيوش الإلكترونية، آلاف الصحف والمجلات... الشبهات الأساسية التي تطرح، فلنجب عنها.

عندما ندخل في معركة في جهاد التبيين، سننجح. أول نتيجة: سوف نحصّن ساحتنا. الثانية: نقوي بيئتنا وجمهورنا وشعوبنا وأمتنا في هذه المعركة. الثالثة: تيئيس العدو من خلال هذا البيان. يقول الله - سبحانه وتعالى - في القرآن الكريم في آخر آيات نزلت على النبي (ص) عندما طلب منه أن يبلّغ وبلّغ – لم يكن هناك معركة عسكرية حينذاك بل كان هناك بلاغ -: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} (المائدة، 3). هناك بيان إلهي قد نزل والنبي (ص) بلّغه والله بعدها قال: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ}. نحن عندما نبيّن ونشرح ونوضّح، عدونا ييأس أيضاً. يكتشف أنّ كل الذي فعله ذهب هباءً منثوراً. من نتائج جهاد التبيين [أيضاً] إقامة الحُجّة وإتمام الحُجّة على الناس، وهكذا كان فعل الأنبياء (ع).

 

جهاد التبيين في يوم العاشر

الحسين (ع) يوم العاشر في سياق جهاد التبيين وإقامة الحجة كان يشرح ويوضح ويبين، عسى ولعل أن يهتدي أحد الذين وقفوا مقابله. لم يكن يتوقّع أن يصير تحول كبير، لكن هذا الكلام يجب أن يُقال لإتمام الحجّة على هؤلاء. وقد أشار الحسين (ع) في بداية الخطبة، يوم العاشر بعدما اصطفوا وصاروا على مشارف الذهاب إلى القتال، وقف قائلاً: «يا أيها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظكم بما لكم عليّ»، أي بما لكم من حقٍّ عليّ. هذا جهاد التبيين لإتمام الحجة. «وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من أنفسكم فأجمِعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكون أمركم عليكم غمّة ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون. إن وليِّي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين». ثم يقول لهم الاستدلال: «أما بعد، فانسبوني فانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي»، «ألست ابن بنت نبيكم؟» أي لم يقل الإمام (ع): حلال وحرام ويجوز ولا يجوز وانتهى الأمر، [بل] كان يستدل ويشرح ويبيّن قبل بدء المعركة. «ألست ابن بنت نبيّكم (ص) وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين بالله والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه؟ أوليس حمزة سيد الشهداء عمّ أبي؟ أوليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمي؟ أو لم يبلغكم قولٌ مستفيضٌ فيكم...»، ثم يقول حديثاً مستفيضاً متواتراً منقولاً عند كل المسلمين: رسول الله (ص) قال لي ولأخي هذان سيدا شباب أهل الجنة. «فإن صدقتموني بما أقول وهو الحق فواللهِ كذا»، إلى أن يقول «وإن كذبتموني»، انظروا إلى أي مستوى يصل الإمام (ع). أنا أساساً لا أكذب لكن لو كذبتموني ولم تصدقوني، «فإن فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم. اسألوا جابر بن عبد الله الأنصاري أو أبا سعيد الخضريّ أو سهلة بن سعد الساعديّ أو زيد بن أرقم أو أنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله (ص) لي ولأخي. أفما في هذا حاجزٌ لكم عن سفك دمي؟». منطق قوي متين واضح. بيّن وألقمهم الحجة بالكامل.

«فإن كنتم في شكٍّ من هذا القول أفتشكّون أثراً ما أني ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيٍّ غيري منكم ولا من غيركم». يجب أن يوضح هو من، لأنه من الممكن أن يكون في الجيش أناس يعتقدون حقّاً أن هناك شخصاً آخر. «أخبروني: أتطلبوني بقتيلٍ منكم قتلته أو مالٍ لكم استهلكته أو بقصاصٍ من جراحة». أنا جرحت حدا حتى جاي عم يقتص مني؟ قال فأخذوا لا يكلمونه، فنادى (ع): يا شبث ابن ربعيّ ويا حجار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث ويا فلان ويا فلان، ألم تكتبوا إليّ أن قد أيعنت الثمار واخضر الجناب وإنما تقدم على جندٍ لك مجندة فاقبل... إلى أن يكمل عليهم الحجة ويختم لهم بقول هذه الجملة التي أيضاً أصبحت إحدى الشعارات الثقافية والفكرية والجهادية الخالدة طوال التاريخ: «والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد». الإمام الحسين (ع) أتم الحجة ولذلك لا في الدنيا ولا في الآخرة أولئك الذين احتشدوا لقتاله يستطيعون أن يدّعوا أنّه كان لدينا شبهة وعدم وضوح والتبس علينا الموقف. هذه واحدة من أهم بركات جهاد التبيين. في جهاد التبيين كما في الجهاد العسكري إذا قمنا بأقصى طاقتنا، واستخدمنا عقولنا وقدراتنا وإمكاناتنا وكنا أيضاً صادقين ومخلصين، فالله - سبحانه وتعالى – ينصرنا. والله - سبحانه وتعالى - نصر دينه وعباده وأولياءه طوال التاريخ في هذه المعركة رغم ضعف الإمكانات أمام إمكانات العدو.