ما هو تقييمكم للجوانب العسكريّة والأمنيّة لعمليّة «الوعد الصّادق»، وما هو تأثير هذه العمليّة على الساحة العسكريّة لعمليّة «طوفان الأقصى» والحرب التي يشنّها الكيان الصّهيوني على غزّة؟

إنّ الجوانب العسكريّة والأمنيّة لهذه العمليّة بارزة جدّاً في عدد من النواحي وهي استثنائيّة، بل لا بدّ من التعبير على نحوٍ أدقّ أنّها منقطعة النّظير. تشمل الجوانب أموراً من قبيل اتّساع العمليّة من ناحية الدّمج بين مختلف الأدوات العسكريّة، التي شملت المسيّرات والصواريخ البالستيّة وصواريخ كروز، والقدرة على استخدام هذه الأدوات على نحو متزامن أيضاً.

ثانياً، النّطاق والمدى الجغرافيان اللذان استُخدمت فيهما تلك الأدوات، أي إنّ النقاط التي أُطلقت منها هذه المعدّات كانت متنوّعة وواسعة النطاق. يمكن التعبير أنّه استُخدمت الجهة الغربيّة للبلاد بصورة كاملة وكذلك مناطق داخل العمق الجغرافي لإيران من أجل الإطلاق باتجاه الأهداف داخل الأراضي المحتلّة. ينطوي هذا الحدث على تعقيدات كثيرة وعدد من العمليّات، ولكنّه يُصعّب على الصهاينة كثيراً القدرة على الرّد على العمليّة وتعقّبها وإفشالها، وهذا إنّما يُثبت نموّاً وارتقاء مذهلاً في القدرة العسكريّة فاق تصوّرات الإسرائيليّين في ما يرتبط بهذه المواجهة مع إيران.

الجانب الآخر هو في الواقع مستوى العمليّة. يُذعن مختلف الخبراء الأجانب الذين رصدوا العمليّة أنّ إيران لم تبلغ في هذه العمليّة حافّة التكنولوجيا والمعرفة الخاصّة بها في المجال العسكري، بل لو أنّنا عددنا أنّ التكنولوجيا المعاصرة لإيران جيلاً خامساً، فإنّ كثيراً من التقنيّات التي استخدمتها في هذه العمليّة هي من الجيل الثاني أو الثالث كأقصى حدّ ضمن التقنيّات العسكريّة التي تملكها الجمهوريّة الإسلاميّة، وإنّ ما لم تعرضه إيران في هذه العمليّة أكبر بكثير وأبرز ممّا عُرض فيها.

لكن في الطرف المقابل، إنّ الصهاينة وضمن إطار التحضير للردّ على هذه العمليّة، ورغم أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة أعلنت أنّ ردّها حتمي وأبلغت الأطراف الأجنبيّة بهذا الأمر، ومع أنّ الصهاينة تجهّزوا مع أربعة أطراف أجنبيّة أخرى من أجل الردّ والدّفاع، ولكنّهم أُجبروا على الاستفادة من أعلى مستويات قدراتهم العسكريّة من أجل إنجاز عمليّتهم الدفاعيّة، وإنّ غياب التكافؤ والتوازن هذا بين المستوى التقني المُستخدم في الهجوم والمستوى التقني المُستخدم في الردّ والدفاع، يُثبت تميّز أسلوب الجمهوريّة الإسلاميّة في الردّ وفرادته ويبسط يدنا كثيراً في الضّربات التالية والخطوات الآتية، كما يعرض بقوّة قدراتنا أمام الجميع.

إنّ الجانب العسكري والأمني ئ الذي يُمكن الإشارة إليه في واقع الأمر، هو الردّ وأسلوب العمل المستقلّ للجمهوريّة الإسلاميّة في هذه العمليّة الكُبرى.

 بتعبيرٍ آخر يمكن القول إنّ الجمهوريّة الإسلاميّة لم توظّف في هذه العمليّة أيضاً قدراتها كلّها في الاستفادة من حلفائها ضمن مستوى محور المقاومة ولم تشركهم، ونحن نشهد ردّاً إيرانيّاً على اعتداء الصهاينة واستهدافهم الأماكن السياسيّة في إيران. هذا يُثبت أنّ ما شهده الصّهاينة في تلك الليلة هو قمّة جبل الجليد من ناحية القدرة العسكريّة التي يتمتّع بها محور المقاومة أيضاً.

ما الذي يجعل هذه الخطوة بارزة جدّاً؟ السّبب هو أنّه منذ بدء عمليّة «طوفان الأقصى» كان تقييم الخبراء العسكريّين الأمريكيّين والإسرائيليّين أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة، نظراً إلى الدور الذي قرّرت أن تلعبه منذ أكثر من أربعة عقود وتعمّقت فيه، وهو مساندة محور المقاومة وتقديم الدعم اللوجستي إليه، لا تملك قدرة عمليّاتيّة مستقلّة، وهي تحتاج في أيّ نوع من أنواع الردود على التهديدات إلى سائر حلفائها في محور المقاومة ولا تستطيع التخلّي عنهم، واعتقدوا أنّ إيران لا تملك قدرة مستقلّة للردّ على التهديدات وهي غير مستعدّة لهذا الأمر.

أطاحت عمليّة «الوعد الصّادق» بهذا التقييم بصورة كاملة، واتّضح تماماً أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة رغم لعبها دوراً لوجستياً وتقديمها الإسناد وتوفيرها التقنيّات والقدرات على نحو فوري لمحور المقاومة، ومع أنّها تعهّدت بهذا الأمر، ولكنّها تملك القدرة على العمل على نحو مستقلّ واحتفظت لنفسها بهذه القوّة وعزّزت قدراتها في هذا الصّدد، وهي تملك الاستعداد والإرادة اللازمين للردّ على التهديدات على نحو مستقلّ وتحمّل المسؤوليّة أيضاً، وليس الأمر على هذا النّحو بأنّ الجمهوريّة الإسلاميّة نتيجة هذا الدور اللوجستي الذي تؤدّيه وهذا التوجيه الذي تنجزه في التعامل مع محور المقاومة، تختبئ خلف سائر اللاعبين أو تخجل من الإقدام على الردّ عندما تُهدّد، بل هي قادرة على اتباع مسار مستقل حين ترتأي مصلحة في ذلك. كما أنّ الأمر ليس على هذا النّحو بأن لو كانت سائر أركان محور المقاومة غير قادرة على الإقدام على خطوة عسكريّة لمختلف الدواعي والأسباب ولم يقدروا على إنجاز خطوة كبيرة وبارزة، فإنّ الجمهوريّة الإسلاميّة ستعجز حينها عن تأدية خطوة مستقلّة. لقد كان هذا الاستقلال العمليّاتي في هذه العمليّة مشهوداً جداً، وهذا يدلّ على إمكانيّة تحقيق إنجازات وانتصارات أكبر عندما تتعاون الجمهوريّة الإسلاميّة وتتشارك مع سائر أركان محور المقاومة.

من وجهة نظري، إنّ أبرز ركن في ردّ الجمهوريّة الإسلاميّة هو البُعد المعرفي لهذا الردّ. نحن نخوض منذ قرابة العقدين نوعاً من أنواع الحرب المعرفيّة ضمن إطار النزاع الأمني مع الصهاينة، وبتعبير آخر، عندما نتلقّى ضربات أمنيّة أو عسكريّة ضمن مختلف المستويات، تنتشر فوراً معطيات ضمن مختلف المستويات في ما يرتبط بالردّ تحول دون توجيهنا الردّ الحاسم. كانت تُطرح تبريرات لتجنّب الردّ وتصوير أفق مرعب في أوساط الرأي العام داخل بلادنا لتبعات ردّ الجمهوريّة الإسلاميّة على الضربات التي وُجّهت إليها.

هذا من ناحية معيّنة خطوة منظّمة ومخطّط لها، وبعض هذه المعطيات هي حسب تعبيري معطيات كان خلفها تخطيط أمني ضمن المستويات المعرفيّة المتمحورة حول الكيان الصهيوني، وهو وضع الخطّة وجعلنا في صراع معرفي.

يمكن التعبير بقوّة أنّ هذا الأمر بدّل المسار على نحو كامل. نحن نشهد اليوم أنّ الردّ المستقلّ أو تحمّل المسؤوليّة إزاء التهديد الذي مورس ضدّنا، ارتقى في أوساط الرأي العام بالأمن القومي واقتدارنا الوطني وشعبيّة القوّات المسلّحة وكفاءتها في الجمهوريّة الإسلاميّة وبلغ مستويات رفيعة ونتج عنه اقتدار الجمهوريّة الإسلاميّة واعتزازها وتباهيها داخل البلاد وعلى الساحة الدوليّة.

هذه نتيجة قدرتنا على التفوّق على خطّة العدوّ ضمن هذا الصّراع المعرفي، إذ استطعنا رغم تلك المعطيات التي أُنتجت ضدّنا من أجل جرّنا إلى ساحة الارتباك وكي تمنعنا من الإقدام على خطوة تصوّر ردّاً حاسماً على تهديدنا، وحوّلنا منهجيّة تصرّفنا من حالة الارتباك إلى حالة الفعاليّة والإقدام.

 

عدّ قائد الثورة الإسلاميّة في لقائه مؤخّراً قادة القوّات المسلّحة أنّ تجلّي قوّة الإرادة لدى الشعب الإيراني وقوّات الجمهوريّة الإسلاميّة المسلّحة في عمليّة «الوعد الصّادق» أثار غضب الصّهاينة. ما هو تحليلكم لجوانب هذا الغضب ومآلاته؟ خاصّة أنّنا شهدنا بعد الهجوم على قنصليّة السفارة الإيرانيّة في دمشق الذي تلاه ردّ تأديبي من إيران اعتراضات داخل الجهاز الحاكم واستقالة بعض القادة الأمنيّين داخل جيش الكيان.

كان واحد من الأركان البارزة لعمليّة «الوعد الصّادق» زعزعتها التقييمات الاستخباراتيّة كلّها الموجودة في الكيان الصهيوني ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة. لقد أيقن الصهاينة حقّاً أن الجمهوريّة الإسلاميّة لا تسمح بزعزعة مشروعها الإستراتيجي على مستوى المنطقة بواسطة الصراع المعرفي المستخدم ضدّها. كان هذا التقييم الذي أجمعوا عليه وأيقنوا به تقريباً، ولم يتوقّعوا أن تتصرّف الجمهوريّة الإسلاميّة على نحوٍ مغاير لحساباتهم.

هذا التقييم كان مشتركاً بين الأمريكيّين والإسرائيليّين، فإلى ما قبل توجيه ضربة إلى سفارة الجمهوريّة الإسلاميّة في دمشق، كان محور العمل بين الأمريكيّين والإسرائيليّين استهداف المشروع الإقليميّ للجمهوريّة الإسلاميّة. وفقاً لهذا التّقييم، كان الصّهاينة يمنحون الجرأة لأنفسهم منذ بدء عمليّة «طوفان الأقصى» - أي في الأشهر السبعة الماضية – ويوجّهون ضربات استثنائيّة إلى المشروع الإقليميّ للجمهوريّة الإسلاميّة والبُنى التحتيّة لمحور المقاومة على مستوى المنطقة. كانوا يتصوّرون أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة لن تردّ على أيّ واحدة من هذه الضّربات، وأنّ هذه الضّربات إضافة إلى إضعافها المشروع الإقليمي للجمهوريّة الإسلاميّة، سوف تزعزع إرادتها وقدرتها على اتخاذ القرار ضمن مستوى أعلى، بل وستجعلها تتوقّف ضمن بعض المستويات لمدة محدودة أيضاً.

جعلت عمليّة «الوعد الصّادق» نظام التقييم هذا كلّه يتحوّل ويتبدّل. ربّما أمكنني القول بجرأة إنّ استقالة رئيس وحدة الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي التي تُدعى «أمان»، أعني الجنرال حاليفا الذي أعلن استقالته مؤخّراً، كانت بسبب مثل هذا التقييم الخطأ للحسابات التي تحدث في طهران ردّاً على تهديدات الإسرائيليّين. بعد عمليّة «الوعد الصّادق»، أصبح واضحاً أن على الصهاينة أن يدفعوا الثّمن ويحسبوا الحساب لردّ فعل الجمهوريّة الإسلاميّة من الآن فصاعداً وأن يتحمّلوا تبعات المغامرة مع الجمهوريّة الإسلاميّة، وهذا ما أصبح أكثر بروزاً ووضوحاً بعد العمليّة، إذ ينبغي لهم أن يتخلّوا عن أنواع التقييم كلّها التي كانوا يجرونها في السابق. لم يعد لدى الصهاينة اليوم ما يضمن لهم ألّا يواجهوا ردّاً قويّاً وكبيراً من الجمهوريّة الإسلاميّة لو أقدموا على أقلّ خطوة، وعليهم أن يجروا حساباتهم كلّها من جديد.

هذا التغيير في نظام الحسابات لطهران مع احتياج العدوّ إلى إعادة النّظر في تقييمه الوضع الاستخباراتي في طهران أمرٌ في منتهى الصّعوبة. لعلّ أرقى نتاجٍ استخباراتي يُمكن إنتاجه هو مجموعة هذه التقييمات والاستنتاجات الاستخباراتيّة. لقد وجّهت [عمليّة] «الوعد الصّادق» ضربة لنظام الحسابات والجهاز الإدراكي ونظام اتخاذ القرار لدى الصّهاينة والأمريكيّين. كلاهما يواجهان الآن تحدّيات حقيقيّة جدّاً.

سوف تُدرس الخطوات التي ستُقدم عليها الجمهوريّة الإسلاميّة بعد عمليّة «الوعد الصّادق» بدقّة وعلى نحو مكثّف حتى يتمكّنوا من معرفة المنهج السلوكي الجديد للجمهوريّة الإسلاميّة وتحليله. إضافة إلى هذا الأمر، ونظراً إلى النجاح البارز والملفت لهذه العمليّة، إنّ عدداً من الأطراف الحاضرين في المنطقة الذين لم يشاركوا في هذه العمليّة، بل التزموا الصّمت ورصدوا ميدان الصّراع، والأطراف الدوليّين الذين لا تشكّل منطقة الشّرق الأوسط منطقة مفتاحيّة بالنسبة إليهم أيضاً، هؤلاء جميعهم سوف يعيدون النظر في أنظمة الحسابات ونماذجها الخاصّة بهم وفي سلوك اللاعبين في منطقة غرب آسيا ضمن إطار ردّ فعلهم على مثل هذه الخطوة، وينبغي لهم فعل ذلك، إذ إنّ مستويات القوّة وأسلوب توزيعها على المستوى الإقليميّ سيشهد تحوّلاً لافتاً وجوهريّاً، وسوف يعيد كثير من الدول النظر في مؤازرته الصهاينة والأمريكيّين. لقد كانت دول كثيرة متردّدة في تقديم الدعم العلني أو السرّي للخطوات التي يُقدم عليها محور المقاومة،  وهي ستتخلّى عن شكوكها وينضمّ كثير منها إلى هذا المحور أمام ما رأوه من نضج وقوّة لديه في السلوك والتعامل في عمليّة «الوعد الصّادق» وما سيليها، وهذه ستوجد على مستوى المنطقة مجموعة أفعال ديناميّة وفعّالة ومعقّدة طبعاً سيكون من الصّعب جدّاً توقّعها والتخطيط لها ضمن نظام الحسابات الأمريكيّ – الإسرائيلي، وستكلّفهم غالياً، وأمام الخطوات التي ستتّخذها الجمهوريّة الإسلاميّة بعد عمليّة «الوعد الصّادق» والتي ستُدرجها على جدول أعمالها، لن يتمكّنوا بسهولة من فهم ما سيفعله محور المقاومة. 

 

يعدّ كثير من المحلّلين عمليّة «الوعد الصّادق» نقطة عطف في قضيّة فلسطين، شأنها شأن عمليّة «طوفان الأقصى»، ويقولون إنّها ضمن مسار «طوفان الأقصى»، كما عدّ المتحدّث باسم كتائب القسّام، أبو عبيدة، أنّ هذه العمليّة أربكت حسابات العدوّ. كيف ترون مستقبل فلسطين والكيان الصّهيوني بعد عمليّة «طوفان الأقصى»، وعمليّة «الوعد الصّادق» أيضاً؟

في ما يرتبط بقضيّة فلسطين، بخاصّة بعد عمليّة «طوفان الأقصى» المنتصرة في السابع من أكتوبر، ادّعى الصهاينة أنّنا نقاتل من أجل لجم حركات المقاومة الفلسطينيّة على سبع جبهات على نحو متزامن، وكانت هذه الجبهات تبدأ من إيران لتصل إلى اليمن. إيران والعراق وسوريا ولبنان والضفّة الغربيّة وقطاع غزّة واليمن ومجموعة الخطوات التي كانت قيد النشوء في المنطقة. هذا ما رآه الصهاينة في ملف «طوفان الأقصى» وداخل ساحات الصّراع الخاصّة بهم. هذا ما تجلّى على نحو صريح في تصريحات مسؤوليهم الرسميّين مثل وزير الحرب لديهم أو رئيس وزراء الكيان الصهيوني.

ما حدث في عمليّة «الوعد الصّادق» ومستوى الخطوة التي أقدمت عليها إيران أدّى إلى نهضة اجتماعيّة على مستوى المنطقة في ما يرتبط بمؤازرة محور المقاومة. هناك عدد من الدول تتمتّع بالقوّة بطاقة اجتماعيّة واندفاع نحو قضيّة فلسطين، ولكنّها لم تكن لتجرؤ على تأدية خطوة فعّالة، ونحن اليوم نشهد حركات سوف تستمرّ وتُضاف على جبهة الدّعم لفلسطين. نحن نشهد اعتراضات غير مسبوقة أو قلّ نظيرها في الأردن، ونشهد تحرّكات فيه أيضاً.

ما الذي يجعل التحوّل في هذين البلدين بارزاً وذا أهميّة؟ لأنّ الصهاينة ضمن إطار النّظام الأمني الذي صنعوه لأنفسهم، عدّوا زعزعة الأمن في هذين البلدين بمنزلة زعزعة الأمن في الأراضي المحتلّة، بخاصّة أنّ الوضع الأمني في الأردن وضعٌ هشٌّ جداً، وهو إستراتيجي جدّاً في مسار توفير الأمن للصّهاينة.

لقد شهدنا اعتراضات واسعة جدّاً تواصلت بعد عمليّة «الوعد الصّادق» أيضاً. شهدنا هذه الاعتراضات في الأشهر الأولى لعمليّة «طوفان الأقصى»، ولکن في الأشهر الأخيرة ومع الخطوات الاستعراضيّة التي أقدم عليها ملك الأردن، شهدنا محاولة للسيطرة على هذه الاعتراضات ورأينا أنّ الملك حاول فتح قناة خاصّة لنفسه ضمن إطار المساعدات الدوليّة وأن يثبت تأديته لبعض الخطوات الداعمة لأهالي قطاع غزّة عسى أن يتراجع حجم هذه الاعتراضات وكيفيّتها.

لقد أثبتت عمليّة «الوعد الصّادق» كم هي مشوّهة تلك الصورة المزيّفة والاستعراضيّة التي قدّمها النظام الملكي الأردني في الأشهر الماضية. إنّ الأخبار التي سرّبها الإسرائيليّون بشأن الأردنيّين الذين شاركوا في تعقّب الصواريخ التي أطلقتها إيران نحو الأهداف الإسرائيليّة شوّهت بالكامل تلك الصورة التي كوّنها النظام الملكي الأردني، وها نحن نشهد مرّة أخرى اعتراضات وتحرّكات غير مسبوقة في الأردن، وهذه التحرّكات لن تكون محدودة حتماً في هذه المدة الزمنيّة وسوف تسهم بقوّة في تحويل المسار الأمني في المنطقة بما يخدم مصلحة محور المقاومة.

من هذه الناحية، يمكن الادّعاء بجرأة بعد تصريح الناطق باسم كتائب القسّام، أبو عبيدة، الذي قال فيه إنّ القواعد تبدّلت في الساحة الفلسطينيّة، أن حتّى لو لم يحدث أيّ حدث على الساحة الدوليّة – الحال ليس كذلك ونحن نشهد تبدّل الموازين في القواعد الأمنيّة داخل الأردن –، فسيكون في مقدورنا القول إنّنا خضنا ميداناً وساحة جديدين في ما يرتبط بقضيّة فلسطين، وطبعاً هذه الساحة الجديدة لا تنحصر في الأردن، بل إنّنا نشهد في داخل أمريكا والدول الأوروبيّة، التي تُعدّ الداعم الدولي الأساسي للكيان الصهيوني، وفي الدول التي مارست التطبيع في الأعوام القليلة الماضية مع الكيان الصهيوني أيضاً خطوات وردود أفعال جديدة سيكتسب عدد منها بعد عمليّة «الوعد الصّادق» الناجحة صبغة جديدة وسيفرض قواعد جديدة على الصهاينة عند اتخاذهم القرار بالإقدام على أيّ خطوة، إن كان في السرّ أو العلن.

من هذه الناحية، لو أردنا تقسيم تاريخ النضالات ضدّ الكيان الصّهيوني إلى مراحل مختلفة، لقد شهدنا في الأعوام الثلاثة السابقة تقريباً تحوّلاً في أسلوب النضال بعد عمليّة «سيف القدس»، وشهدنا بعد عمليّة السابع من أكتوبر وانطلاق عمليّة «طوفان الأقصى» مرحلة جديدة غير مسبوقة في ما يرتبط بلعب حركات المقاومة الفلسطينيّة المستقلّة أدوارها. في هذه العمليّة، كان هذا المستوى من جودة المبادرة والتدابير العسكريّة والحسم والنجاح في ميدان العمل من جهة اللاعبين في محور المقاومة داخل الميدان الفلسطيني أمراً إعجازيّاً. من ناحية أخرى، يمكن القول إنّه مع تنفيذ عمليّة «الوعد الصّادق» سوف نشهد مشهداً مختلفاً ومرحلة جديدة من الإقدام والمبادرة ضدّ الكيان الصهيوني، وفي هذه الساحة لن نشهد حضور اللاعبين على مستوى المنطقة فقط، بل إنّ اللاعبين في الساحة الدوليّة سينظرون إلى قضيّة فلسطين على نحوٍ مغاير، ومن المؤشّرات البارزة على هذا الأمر انكسار الهيمنة العسكريّة للصهاينة.

لقد أحدث الصهاينة مجتمعاً مزيّفاً وحسب تعبيرهم هو قائم على قوّة الجيش وصورة الرّدع لديه، وهذا هو الركن الأساسي لمجتمع الكيان الصهيوني المزيّف. في عمليّة السابع من أكتوبر، انهارت هذه الصورة على نحو كامل، وانهارت معها عقيدة الصهاينة القائمة على أربع ركائز. حسب تعبير كبار القادة لديهم، ينبغي بعد هذه الحرب التي لا تزال مستمرّة، أن يُعاد النظر في عقيدة الدفاع الإسرائيليّة على نحو كامل.

حاول الصّهاينة طوال الأشهر السّبعة الماضية أن يستعيدوا تلك الصورة المشوّهة عبر وحشيّتهم وتقديم صورة إجراميّة لأنفسهم، ولكنّ عمليّة «الوعد الصّادق» وجّهت ضربة كانت المكمّلة على نحوٍ من الأنحاء لعمليّة السابع من أكتوبر، فانهارت صورتهم العسكريّة هذه على نحو كامل. نحن اليوم نرى حال "إسرائيل" والاقتدار العسكريّ للإسرائيليّين على مستوى المنطقة ولم نعد نسمع لهجة الفوقيّة التي اعتدناها منهم ولم تعد هذه التصريحات واللغة مقبولة أساساً لدى عدد من الأطراف الدوليّين، لأنّ الصهاينة عجزوا عن إثبات ذلك في ميدان العمل.

تلقّى الإسرائيليّون منذ التأسيس أعلى مستويات الدّعم المستمرّ من داعميهم في الشرق والغرب، وحاولوا إظهار تمتّعهم بأعلى مستويات التكنولوجيا والتقنيّات العسكريّة. استوردت دول أوروبيّة كثيرة التقنيّات العسكريّة والدفاعيّة أحياناً من الكيان الصهيوني، واشترت الأسلحة والتجهيزات من الصهاينة. لكن في ليلة الهجوم تلك، ورغم مشاركة أكثر من 5 أطراف أجنبيّة وهي دول غربيّة بارزة، أعني فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا التي سخّرت قدراتها كلّها إلى جانب الأمريكيّين، شهدنا تحقّق إصابات ناجحة متعدّدة داخل أراضي فلسطين المحتلّة. لقد انهارت هذه الصورة على نحو كامل، وإنّ ذاك الدعم وذاك المستوى منه الذي قُدّم في ليلة الـ13 من نيسان لا يمكن أن يستمرّ ويتكرّر، فالأمريكيّون أنفسهم ومعهم الأطراف المشاركة في تلك العمليّة أذعنوا لهذا الأمر في العلن.

لكن في الطرف المقابل، هناك إذعان بأنّ محور المقاومة، بل الجمهوريّة الإسلاميّة لوحدها، لو قرّرت أن تقدم على الخطوة نفسها في تلك الليلة لأيام متتالية ولأكثر من عام حتّى، فإنّها قادرة على ذلك ولا يمكن أن يحول أيّ شيء أمام تحقيقه. في هذه الحال ومع مثل هذه القدرات العسكريّة، لا يوجد أيّ مفرّ أمام الصهاينة وهم لا يتمتّعون بأيّ حصانة.

مجموع هاتين الخطوتين يعني أنّنا سنشهد مواجهة غير مسبوقة مع الكيان الصهيوني في الساحة الفلسطينيّة وفي الاشتباكات المباشرة، ونحن سنشهد مرحلة جديدة في الصراع مع الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، وسوف تقطف حركات المقاومة الفلسطينيّة في الأراضي المحتلّة ثمار ذلك ومكتسباته، إن شاء الله.