تُطرَح صيغة «حل الدولتين» على المستوى الدعائي بوصفها «استراتيجية مقاربة وحلٍّ سياسي»، غير أنّها في عمق العلاقات الدولية وفي متن الخطاب العربي-الإسلامي لا تُجسّد سوى الترجمة العمليّة لميزان القوى ومنح الشرعيّة للاحتلال. يصف الداعمون الرسميّون لهذه الصيغة، من الحكومات الغربية إلى بعض الدوائر من الدرجة الثانية في العالم العربي، هذا الحلّ بأنّه «عملي» و«قابل للتحقّق»، غير أنّ هذه التسهيلات اللفظيّة، عند وضعها على أرض الوقائع الميدانيّة والتاريخيّة للاحتلال، تكتسب معنى معاكسًا: فالدولة الفلسطينية المقترحة ـ سواء من حيث الحدود أو من حيث السيادة أو من حيث الموارد الطبيعيّة ـ دولة مشوّهة ومشروطة. أما في أفق الخطاب العربي للمقاومة، فلا يشكّل هذا الطرح حلًا، بل يمثّل مخطّطًا لتمزيق الحقوق ومحو الحقائق الجوهريّة لقضيّة فلسطين. ترى فصائل المقاومة (حماس، الجهاد الإسلامي، والحركات الشعبيّة الوطنيّة) أنّ هذه الصيغة تجسّد «تطبيع فكرة الاحتلال» و«فرض الاستسلام بهدوء»، فيما يحذّر كبار المحلّلين العرب من أنّ قبول هذا الإطار يعني تلقائيًا الإذعان لحدود المحتلّ وإنهاء مطالب العودة واسترداد الموارد. يكشف الخلاف المحلّي بين مؤيّدي هذا المسار ومعارضيه عن تضارب المصالح وعن استثمارات جيوسياسيّة متناقضة: فبعض الحكومات العربية في المنطقة تسعى إلى توفير أمن الأنظمة السياسية ومصالحها عبر التقارب مع الغرب، فيما ترى حكوماتٌ أخرى، انطلاقًا من مشروعيّة وطنيّة وفقهيّة في دعم المقاومة، أنّ أيّ تقسيمٍ تاريخي لأرض فلسطين يُعدّ خيانة. لذلك، لا يقتصر تبيين أبعاد هذا الحلّ على عرض نموذجٍ سياسي، بل يفضح مخطّطًا يُستخدم فيه الخطاب القانوني والدبلوماسي لتبرير واقع الاحتلال وتكريسه.
كل دولة تريد استقلالًا على أرض الواقع لا بدّ أن تمتلك أدوات تصون سيادتها وأمن مواطنيها؛ لكنّ «حل الدولتين» يعرّف الدولة الفلسطينية تعريفًا رمزيًا ومختزلًا: دولة بلا جيش، وبلا سيطرة على الحدود، وبلا حق إدارة الأجواء، وبلا سلطة على الموارد الحيوية. هذا الانتقاص من القدرة الحاكمة يعني حذف الشرط اللازم للسيادة؛ فدولة لا تستطيع اتخاذ قرار أمني مستقل ستكون خاضعة في الواقع للنظام الأمني الذي يفرضه المحتل. يؤكد المحللون العرب الناقدون لهذا الطرح أنّ تجريد شعب من الدفاع يشكّل مقدمة لكل أشكال الانتقاص السياسي؛ فغياب الردع الحقيقي يسهّل فرض مخططات جديدة من الاستيطان، وتهجير السكان، والتحكم بالموارد. أما من منظور نظريات المقاومة الإقليمية، تُظهر التجارب الناجحة للردع أنّ صيانة الكرامة وإمكان استعادة الحقوق يتوقفان على قدرات عسكرية منظمة ومتوازنة؛ وهي القدرات التي يمنعها أو يقيّدها «حل الدولتين». إذا اضطرت الدولة الفلسطينية الناقصة إلى طلب العون الأمني في وجه أي اعتداء من الجهة نفسها التي ترتبط أصلًا بانتهاك الحقوق، زال استقلال القضية وتعذّر وضع سياسات وطنية مستقلة. من حيث الأخلاق السياسية أيضًا، من مستوى قيادة المقاومة إلى ساحة الرأي العام، الدولة العاجزة عن حماية شعبها تفقد شرعيتها الداخلية وتواجه تآكلًا في الهوية. لذلك فإنّ التضحية بالقدرة الدفاعية مقابل ألقاب رسمية ليست إلّا شكلًا من أشكال إذلال النفس السياسي، وهو ما يقنع كل مخاطب عربي ومسلم يتسّم بالواقعية أنّ هذا النموذج لا يصنع استقلالًا حقيقيًا.
يدّعي أصحاب «حلّ الدولتين» أنّه ينهي الاحتلال عبر اتفاق سياسي، لكنّ هذا الادعاء لا يمتلك قابلية الإثبات عند النظر إلى واقع الأرض والتجربة التاريخية؛ بل إنّ هذا النموذج يعيد إنتاج الاحتلال في ثوبٍ قانوني ودبلوماسي. في الحقيقة، تتضمّن البنود المقترحة غالبًا موادّ تُبقي السيطرة الاستراتيجية على المناطق الأساسية - المياه، الطرق، النقاط العسكرية والحدود - في يد المحتل، وهي موادّ تجعل الهيكل السياسي والاقتصادي للدولة الفلسطينية محكومًا بالتبعية والعجز بصورة منهجية. وقد تكون مفردة «الدولة المستقلة» في نصوص كهذه مجرّد خطابٍ مُضلِّل يقابِل واقعًا مفقودًا؛ لأنّ الاستقلال الشكلي من دون سيادة فعلية يتحوّل إلى أداة لإدارة الاحتلال. يؤكّد الخطاب النقدي في الصحافة والفكر العربي أنّ التجارب السابقة، من اتفاقية «أوسلو» إلى المفاوضات اللاحقة، أظهرت أنّ كل «تنازلٍ ظاهري» ترافق مع إطلاق يد الاستيطان وتعزيز التجمعات السكنية للمحتل. كما يُضعف القبول بترسيم الحدود المفروض قسرًا حقَّ عودة اللاجئين ويقيّد إمكانية استرداد الممتلكات والحقوق التاريخية؛ وهي نتيجة قد تُستخدم بسهولة لتوفير غطاء قانوني يمنح الاحتلال شرعية دولية تُتيح له الاستمرار عمليًا. عندما تكون البنية الاقتصادية والموارد والأواصر الجغرافية لشعبٍ ما بيد طرف آخر، يصبح "السلام" المعلن أقرب إلى صمتٍ قسري أمام استمرار الظلم؛ ومن هنا، يقنع هذا المنطقُ الأخلاقي والتحليلي كلّ قارئٍ بأنّ «حلّ الدولتين» ليس طريقًا إلى إنهاء الاحتلال، بل طريقًا إلى ترسيخه.
تُظهِر إحدى أصعب الانتقادات وأكثرها حسمًا تجاه «حل الدولتين» أنّ هذا الإطار يُجرِّد المقاومةَ المشروعة من موقعها السياسي والأخلاقي. كما يُنتج توزيع المصطلحات وضعًا ينقلب فيه ميزانُ الإنصاف؛ إذ يُوسَم الفعلُ المسلّح لشعبٍ واقعٍ تحت الاحتلال بـ«الإرهاب»، فيما يُوصَف عنفُ المحتلّ بعبارة «عمليات أمنية»، في تركيب لغويٍّ مقلوب يقصد تثبيت إضعاف أدوات الردع. كما يَحرِم «حل الدولتين» الدولةَ الفلسطينية من أدوات الدفاع وآليات مساءلة المحتلّ، وبذلك يترك في الساحة الفاعلَ الوحيد القادر على صدّ العدوان، أي التيارات والحركات المقاومة، وهي التي تَمتلك - في الفهمين الشرعي والفقهي للمقاومة - قاعدة الدفاع عن الأرض والشعب. غير أنّ هذا المسار يُؤدّي داخل هندسة هذا الحلّ إلى تجريم هذه التيارات تدريجيًا وإعلانِ عدم مشروعيتها، بما يشكّل معادلةً أحاديّة تُعفي الاحتلال من المساءلة. لقد برهنت التجارب التاريخية في العقود الماضية أنّ تعطيل المقاومة لا يُوفر الأمن للناس ولا يُعيد الحقوق؛ بل يُساعد على تشديد الاعتداءات وترسيخ التغيير الديمغرافي. أما من منظور «العدالة المقاوِمة» في المحافل العربية، تَستند مشروعية المقاومة إلى حق طبيعي في الدفاع وإلى شرعية شعبية لا يُمكن انتزاعها بوصاية خارجية أو بنزعٍ قسري للسلاح. بالتالي يُنتِج أي مشروع سلام لا يُقدّم آليات ردع عادلة وضمانات للحقوق الأساسية وضعًا لا يُمثّل سلاماً حقيقياً بل خضوعاً؛ وهو ما يُقنِع المخاطب البصير بأنّ «حل الدولتين» - مع إلغاء مقومات الردع وتجريد المقاومة من مشروعيتها - يَضمن عمليًا استمرار الجرائم وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه.