«إنّ استراتيجيةَ إيران دفاعيّة. وإيران لا تسعى إلى الحرب، لكن هذا لا يعني أنّها، في سبيل تنفيذ استراتيجيتها، ستكتفي بالضرورة باستخدام تكتيكاتٍ دفاعيّة للدفاع عن نفسها». طرح المسؤولون العسكريون والدفاعيّون في البلاد هذه المقولة في الأشهر الأخيرة بصيغٍ مختلفة.

هي مقولةٌ تُوضّح أنّ جمهوريّة إيران الإسلاميّة ليست مشعلة للحروب ولا تسعى إلى الحرب، وقد أثبت التاريخ أنّها، على الأقلّ حتّى هذه اللحظة، لم تكن المبادرة إلى أيّ حرب؛ ولكنّ ذلك لا يعني أنّها، في الدفاع عن نفسها على المستوى التكتيكي، ستكون بالضرورة مقيّدةً بالتدابير الدفاعيّة، أو أنّها ستُصيغ خططها وتحركاتها وإجراءاتها وضرباتها ضمن إطار التكتيكات الدفاعيّة فحسب.

على المستوى التكتيكي، ستكون الخطط الهجوميّة حتمًا جزءًا من المخطّط العسكري والدفاعي العامّ لإيران. هجومٌ شامل لا يمكن مقارنته، من حيث الكمّ أو الكيف أو بنك الأهداف، بالواقع الذي تبلور في حرب الاثني عشر يومًا ضدّ العدوّ الصهيوني.

تمكّن العدوّ في حرب الاثني عشر يومًا، وإن عبر عنصر المفاجأة، من توجيه ضرباتٍ إلى البلاد في النصف الأوّل من الحرب؛ ولكنّ خلايا التفكير الخاصّة بالحرب في تلّ أبيب وواشنطن تدرك، أكثر من أيّ جهةٍ أخرى، أنّه مع تجاوز حالة المباغتة الأوّلية، صبّ النصف الثاني من الحرب بوضوحٍ في مصلحة إيران. لقد أصبحت الردود الهجوميّة الإيرانيّة في النصف الثاني من الحرب أكثر نوعيّةً وأشدّ فتكًا.

كانت هذه العمليّة هي التي أوصلت العدوّ في نهاية المطاف إلى نقطة وقف إطلاق النار. واقع حرب الأيام الاثني عشر لا يُلاحظ في خطابات رئيس وزراء الكيان العبري، بل في طلبات القادة العسكريين للكيان، حين لاحظوا بعد ثلاثة أيّام من بدء الحرب مؤشّرات استعادة إيران لتماسكها وصدّ الضربة المفاجِئة الأولى، فاقترحوا عليه في إحدى جلساتهم السريّة خفض حدّة الاشتباك. هو اقتراحٌ رفضه رئيس الوزراء الصهيوني الطموح. ولكنّ المسار المتصاعد لضربات إيران أوصله في نهاية المطاف، في النصف الثاني من الحرب، إلى نقطة وقف إطلاق النار.

استنادًا إلى تجربة النصف الثاني من حرب الاثني عشر يومًا، والدروس التي يمكن استخلاصها منها حتّى اليوم، يمكن طرح عددٍ من النقاط.

أوّلًا، إنّ إيران في تلك المعركة لم تُفاجأ إلّا في ما يرتبط بساعة الصفر لبدء الاشتباك، وهذا الأمر منتفٍ في الوقت الراهن. إذا كانت هناك في الحرب ذات الاثني عشر يومًا فجوةٌ زمنيّة مقدارها 12 ساعة بين هجوم العدوّ وردّ إيران، فإنّ ساعة الصفر لبدء الخطط الهجوميّة الإيرانيّة في المعركة المحتملة التالية ستكون أقلّ من 12 دقيقة.

ثانيًا، إنّ القدرة الهجوميّة لإيران آنذاك لم تكن سوى جزءٍ يسير من القدرة الهجوميّة للقوّات المسلّحة في البلاد. في تلك الحرب، لم تكن في واجهة الاشتباك مع العدوّ سوى قوّات الجوّفضاء والقوّة الجويّة والدفاع الجوّي، وهو وضعٌ لا يمكن مقارنته بوضع إيران في هذه الأيّام. إذا ما اندلعت شرارةٌ ضدّ إيران، فلن تقتصر البرامج الهجوميّة للقوّات المسلّحة والأمنيّة الإيرانيّة، كما في حرب الاثني عشر يومًا، على تلك القوّات الثلاث الكلاسيكيّة، بل ستُفعَّل ردودٌ هجوميّة على نطاق مختلف المستويات في القوّات المسلّحة والأمنيّة.

ثالثًا، وعلى خلاف حرب الاثني عشر يومًا التي كان فيها بنك الأهداف الرئيسي للقوّات العسكريّة الإيرانيّة يوجد على مسافة تراوح بين 1200 و1600 كيلومتر، فإنّ المعركة المحتملة المقبلة، ستتضمّن إضافةً إلى بنك الأهداف الصهيوني، بنك أهدافٍ قيّمة على مسافاتٍ أقرب بكثير. هذا القرب سيجعل كمّية الردود الهجوميّة الإيرانيّة ونوعيّتها مختلفتين كذلك. لقد أعدّت إيران نفسها لسيناريو هجومي شاملٍ وكامل، بخططٍ لن تحصر نطاق الاشتباك في الأجواء، بل ستُتيح إمكانيّة استخدام منصّاتٍ أخرى للهجوم على مصالح العدوّ؛ وهي منصّاتٌ كانت حتّى الآن في حالة صمتٍ وتوقّف للاستخدام عند الضرورة، ولكنّ هذا الصمت لن يستمرّ إلى أبد الدهر.

أخيرًا، إنّ جمهوريّة إيران الإسلاميّة قد آمنت دائمًا بنظريّة الأمن المنبثق من الكتلة المحليّة والمتوافر للجميع. بعبارةٍ أبسط: إمّا أن يكون الأمن في المنطقة للجميع أو لا يكون لأحد! إذا ما انتُهك الأمن القومي الإيراني، فلن يكون للعبارة السابقة أيّ محلٍّ من الإعراب بعد ذلك. انعدامُ انطباق العبارة السابقة يعني أنّ أيّ مكانٍ توجد فيه مصالح العدوّ، سواء أكانت عسكريّة أم سياسيّة أم اقتصاديّة، وتصل إليه أيدي القوّات العسكريّة والأمنيّة الإيرانيّة، سيكون حتمًا هدفًا مشروعًا لجمهوريّة إيران الإسلاميّة.

لقد ولّى زمن «اضرب واهرب» منذ أمدٍ طويل. هناك مثلٌ فارسيٌ غنيٌّ بالمضامين يقول ما يأتي: «إن وجّهتَ ضربةً، فتجرّع ضربةً!» وهذا المثل ترجمةٌ أخرى لتلك الاستراتيجيّة العسكريّة الإيرانيّة التي وردت في بداية النصّ: إنّ جمهوريّة إيران الإسلاميّة لن تكتفي بالتدابير الدفاعيّة للدفاع عن نفسها.