تحدثنا في تقرير سابق تحت عنوان «حتى أقصى غايات الميدان» عن المخطط الشامل لجمهورية إيران الإسلامية لإدارة المعركة الإقليمية المحتملة القادمة. وأشرنا إلى أنه على الرغم من تعريف إيران لاستراتيجيتها الكبرى بأنها «دفاعية»، إلا أنها لن تكتفي بالتكتيكات الدفاعية لتنفيذ هذه الاستراتيجية؛ بل إن جزءًا جوهريًا وهامًا من تكتيكاتها قد صُمم ليكون هجوميًا وهجوميًا مضادًا. ضربة بضربة، وألم بألم، وجرح بجرح.
والنقطة الأهم هي أن هذه التكتيكات الهجومية لن تقتصر - كما حدث في حرب الـ 12 يومًا - على أهداف تقع على مسافة 1200 إلى 1600 كيلومتر من الحدود الإيرانية داخل الأراضي المحتلة، بل ستطال هذه المرة أهدافًا أقرب بكثير.
في إدارة المعركة المحتملة المقبلة، تضطلع كل قوة من القوى العسكرية المتعددة للجمهورية الإسلامية بمهمة خاصة ضمن هيكلية عسكرية وأمنية كبرى؛ وهو مخطط يسعى للدفاع عن السلامة الإقليمية والمجالين الجوي والبحري لإيران في أفق نزاع إقليمي.
كما أن هذا المخطط، وخلافًا لحرب الـ 12 يومًا، لن يقتصر على استخدام القوة الصاروخية والجوية والدفاع الجوي. فمن نقاط الارتكاز القوية في هذه المعركة الإقليمية: القوات البرية لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحرس الثورة الإسلامية. فقد تم التخطيط والرفع من الجاهزية القتالية لهذه القوات بحيث تكون كل وحدة قادرة - بشكل مستقل عن القيادة العليا وحسب الأوامر الصادرة - على تنفيذ المهام الموكلة إليها في منطقة عملياتها.
ويشكل حماية «الجدار الحدودي»، لا سيما في المناطق الجنوبية والجنوب شرقية والغربية من البلاد، جزءًا حيويًا من هذه المهام. وهي مناطق كانت محل أطماع الجماعات الإرهابية وحماتها الصهاينة والأمريكيين خلال فتنة شهر "دي" (ديسمبر/يناير)، لكنها باءت بالفشل بفضل يقظة المنظومة الأمنية والعسكرية في البلاد. وستقوم القوات البرية للحرس الثوري وللجيش، كأولوية قصوى، بتشكيل سياج أمني على الأرض، لكي يرتطم أي طمع في اختراق أمني - سواء من التيارات العميلة للخارج أو من القوات الأجنبية نفسها - بـ «البنيان المرصوص» لهذه القوات عند الحافة الحدودية مباشرة. وبالطبع، فإن هذا الأمر لن يقتصر بالضرورة على العمل داخل الحدود فحسب.
إن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية لن تسمح بمساس الحريم الأمني لحدود إيران، حتى وإن لم تكن تلك القوى قد انتهكت الجدار الحدودي ظاهريًا.
ثمّة نقطة أخرى بالغة الأهمية هي أن خطط القوات البرية وبرامجها لا تقتصر على الأساليب التقليدية السابقة، ولا تنكفئ على الداخل الجغرافي لإيران. ففي إطار رؤية «الدفاع الهجومي»، تضع هذه القوات نصب أعينها أفكارًا هجومية، ستتضح معالمها وإحداثياتها للمراقبين إبان المعركة.
ولتنفيذ هذه الاستراتيجية، اتُّخذت التدابير اللازمة كافة، وصدرت الأوامر والتعليمات، وغدت الوحدات العملياتية في حالة استنفار قتالي كامل وجاهزية مسبقة. ويمكن القول إن أبناء إيران في هذه المناطق، بأعين مفتوحة وأيدٍ على الزناد، مستعدون للذود عن كيان إيران الإسلامية ضد أي نية سوء.
وفي هذا السياق، يمكن فهم المناورات الأخيرة للقوات البرية للحرس الثورة في المناطق الجنوبية من البلاد، والتي امتد نطاقها إلى بعض جزر الخليج الفارسي. هذه المناورات تعني أن حماة إيران لم يكتفوا بالتخطيط والتدبير، بل شرعوا في التدريب على أجزاء من خطتهم العملياتية المحتملة على أرض الواقع.
إنه تدريبٌ لكسر قدم كل معتدٍ أو عميلٍ تسول له نفسه العبث بتراب هذه الأرض المقدسة. تدريبٌ لبناء حصن ومنعة وأمن على الأرض للشعب الإيراني، ولتلك القطاعات من القوات المسلحة التي من المقرر أن تنطلق مهمتها الهجومية ضد بنك أهداف إقليمي من منطلق تراب إيران المقدس. إنه تدريبٌ لاستعراض العزيمة على حماية إيران الموحدة والعزيزة والإسلامية.