ما هو شعوركِ منذ اليوم الذي عُرض عليكِ فيه تأليف كتاب «ابكي وحدكِ»؟ من يوم وصولك لخدمة والدة الشهيد، حدثينا عن مشاهدات ذلك اليوم والأحداث التي وقعت من أجل كتابة هذا الكتاب.

عندما عرضوا عليّ هذا في المؤسسة وأخبروني قليلاً عن أحوال وأوضاع الحاجّة وما مرت به من أحداث، ليس فقط كنت مترددةً في الاقتراب منها، بل كنت قلقة أيضاً. لكن السيد كاجي أقنعني وقال إنه إذا لم تكتبي، فلا مشكلة، فقط اذهبي والتقي بالحاجّة.

 

هذا القلق واضح أيضاً في الصفحة الأولى من الكتاب، هل يمكن للقلم أن يتحمّل عبء المهمّة أم لا؟

نعم، كان هذا مصدر قلق لفترة ما قبل لقاء الحاجّة وعدم معرفتي بتفاصيل حياتها. الشيء الوحيد الذي كنت متأكدةً منه وودت فعله هو اللقاء بالحاجّة. أتذكر عندما رأيت الحاجّة في صباح أحد أيام الشتاء، استقبلتي برحابة وسماحة خلال الاجتماع الأول وكانت معاملتها لي دافئة للغاية. تحدثنا في ذلك اليوم، وفي نفس ذلك الاجتماع الأول أرتني جميع أجزاء منزلها. أقول لأصدقائي إن هناك متسعاً من الوقت لقراءة هذا الكتاب، اذهبوا لرؤية الحاجّة، لأن الحاجّة موجودة الآن وظلّها لا يزال فوق رؤوسنا وهي ترحب دائماً بالضيوف بوجه سَموح. أنا أشجّعهم والآخرين على التواجد في هذه البيئة، لأن اللطف غمرني والموقف الجميل الذي حصل معي، أريد أن يحدث هذا الشيء اللطيف للآخرين أيضاً. كنت أرغب في القيام بذلك في الجلسة الأولى حتماً، ولكن بعد التعرّف على تفاصيل حياتها، مع كل تلك التقلبات التي مرت بها تلك المرأة وحيدة، نمت شكوكي وتساءلت عما إذا كان بإمكاني فعل ذلك حقاً، وهل سينجح هذا؟! لكن شملني لطف الله وعون الأساتذة والسيد كاجي ودعاء الحاجّة، وأنجز هذا العمل.

 

كم من الوقت استغرقت الزيارات من أجل جمع المذكرات؟ حدّثينا عن آلية العمل.

استغرقت الأبحاث والمقابلات حوالي عام ونصف. كان يتم مراجعة المقابلات وكنت أملأ فراغاتها بزيارة ثانية. بالطبع كنت لا أزال على تواصل مع الحاجّة خلال هذه الفترة ولم ينقطع الاتصال. أعني، في البداية كان الأمر يتعلق بقضايا العمل، ولكن بعد ذلك كنت أشتاق لها وأذهب إلى منزلها مع أصدقائي. لقد كان حدثاً ممتعاً. بسبب العلاقة الوطيدة التي نشأت، بين هوامش هذه اللقاءات، شاركت الحاجّة معي عدداً من الذكريات الأخرى التي استطعت الحصول على أفكار منها والتعرف على أجواء منزلها وشخصيتها أكثر. هذه الزيارات ساعدتني كثيراً.

 

دعينا نذهب إلى الكتاب نفسه. لماذا يبدأ أول فصل في الكتاب من طفولة الحاجّة؟ لماذا يبدأ هذا المسار للقصة من تلك النقطة؟

نعم، أردنا أن نظهر أنها شخص عادي. أي أن حياتها كانت طبيعية وقضت فترة صباها وشبابها بنحو عادي، ولم يحدث شيء خاص وغير عادي في مجرى حياتها. ربما يكون أهم سبب يمكنني أن أوضح لماذا بدأنا من الطفولة هو إظهار أن المسار الطبيعي لحياة أيّ شخص منا يمضي كما مضى مع هذه الشخصية: كانت لديها بعض المشاغبة في طفولتها، نشأت، تزوجت مثل جميع الفتيات، صارت أُمّاً... ويتم الكشف عنها واحدة تلو الأخرى ضمن هذا المسار الخطي والطبيعي في المراحل المفصلية لنشأة هذه الشخصية.

 

كان هناك عدد من الأحداث الصعبة في حياة الحاجّة والتي قد يصعب اليوم على جيل الشباب تحمّلها. هل سعيتم إلى ذكر كافة الصعوبات في هذا الكتاب؟

في الحقيقة، حاولنا تعديل بعض هذه الصعوبات. ربما كان الكتاب سيكون أكثر ضخامة إذا كتبنا بنحو مفصّل حول كل الأوقات التي قضتها. في الواقع، حاولنا أن نمرّ عليها ونذكرها ونظهرها فقط. بالطبع، المخاطَب المفكّر يعيد تمثيلها بنفسه في ذهنه حتماً. حاولنا أن نَعبُرَ عن بعض القضايا. وفي الوقت نفسه عرضنا تلك الأحداث واللحظات، لكننا نضع أيضاً بعض القضايا على عاتق المخاطب ليفكروا بها وليكتشفوها كلّ واحد بنفسه.

 

لماذا اخترتم عنوان «ابكي وحدكِ» لهذا الكتاب؟

لم يكن هذا هو اسم الكتاب في البداية، أعني أنني اقترحت اسماً آخر للكتاب، ولكن عندما وضع الأمر قيد المشورة وعدنا إلى أصل تأليف هذا الكتاب، والأحداث التي علمنا بها والتي شرحتها لنا الحاجّة، وصلنا إلى توصية محمد. كان قد قال محمد إننا أم وابن، وإن العلاقة والعاطفة بين الأم والابن، مثلما هي موجودة لدى الجميع فهي موجودة عندنا أيضاً. أنا لا أستطيع أن أطلب منكِ ألّا تبكي، لكن من جهة أخرى أيضاً لا أرغب أن تتغلب عليكم تلك المشاعر الأمومية وأن تتسبب دموع حزنكِ في إسعاد أعداء الثورة الإسلامية. لذلك أطلب منكِ أن تبكي وحدكِ.

أتذكر، عندما انتهى تأليف الكتاب وانتهت كل إجراءاته، ذهبت ذات يوم إلى الحاجّة وقلت إنني أريد أن أقرأ الكتاب لكِ. من الصباح حتى بعد الظهر، قرأت الكتاب كاملاً للحاجّة باستثناء الفصل الخاص باستشهاد محمد ودفنه. على الرغم من أنني سمعت وكتبت كل هذه الأشياء بنفسي، وخلال هذا الوقت حاولت جاهدة السيطرة على مشاعري، لكن في ذلك اليوم لم أستطع التغلب على مشاعري. في الحقيقة لم يتحمّل قلبي قراءة ما كتبته للحاجّة. عندما قرأت لها كل تلك الأحداث والفصول منذ البداية، قالت إن كل ذكريات حياتي كانت مرّت أمامي. لم أستطع أن أقرأ لها ذلك الفصل من الاستشهاد وكان الأمر صعباً بالنسبة لي، لكنها ما زالت ثابتة وقوية إن شاء الله وتسيطر على مشاعرها تماماً، فبحسب قولها إن الأمر يمسّ الدين والشهادة. لقد تحققَ «ابكي وحدكِ» بشأنها حقاً وبشهادة من جميع أفراد أسرتها.