بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، ولا سيما بقية الله في الأرضين.

أهلاً وسهلاً بكم، أيها السادة والإخوة الأعزاء،[1]. إنه مدعاة للسرور والسعادة لديّ أنه - بحمد الله - يُعقد هذا الاجتماع المهم للغاية في الموعد المحدد ويحضره الأصدقاء جميعاً. وكما أفاد السيد رئيسي تجري متابعة المواضيع بجدية. أسأل الله أن يُعينكم ويتقبل منكم هذه الجهود. أباركُ بالأعياد الشعبانيّة، وخاصّة عيد النّصف من شعبان الذي هو يوم ازدهار الأمنيات للبشريّة جمعاء على مرّ التاريخ، ونأمل - إن شاء الله - أن يُشهدنا الله ذلك اليوم، يوم الفَرَج، يوم الظّهور، وأن يتحقق في أقرب وقت، إن شاء الله.

 

عظمة شهر شعبان بلسان الأئمّة (ع)

شهر شعبان - بغضّ النّظر عن هذه الأعياد - هو أيضاً شهرٌ مهمٌّ جدّاً، «الَّذِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ - يَدْأَبُ فِي صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ، فِي لَيَالِيهِ وَأَيَّامِهِ، بُخُوعاً لَكَ فِي إِكْرَامِهِ، وَإِعْظَامِهِ إِلى مَحَلِّ حِمَامِهِ». هكذا كان الرّسول الأكرم (ص) يتعامل مع هذا الشّهر حتّى آخر حياته. ثمّ [نطلب من الله] أنْ «فَأعِنّا عَلَى الاستِنانِ بِسُنَّتِهِ فيه»[2]. هذه المناجاة نفسها المُثيرة للمشاعر، التي رُويَت ونُقلت في هذا الشّهر، تشهد على عظمة هذا الشّهر. وهذه الفقرات الواردة في هذه المناجاة الشريفة والعزيزة، قلّما [تَرِد في مواضع أخرى]. طبعاً كلّ الأدعية المتوفّرة لدينا والمأثورة عن الأئمّة (ع) أدعية مليئة بالمعاني المميّزة، وكلّها مميزة - تلك المأثورة والمعروفة - لكن إنصافاً قلّما نجد مثل هذه المناجاة. أنا سألتُ الإمام الخمينيّ (رض) يوماً، وقلت: أيّ دعاء تحبّه أكثر من بين هذه الأدعية الموجودة، أو بأيّ واحد تأنس أكثر - لستُ أذكر تعبيري الآن لكن سألتُه سؤالاً من هذا القبيل - فتأمّل لحظات وأجاب: دعاء كميل والمناجاة الشّعبانيّة. بالمناسبة، هذان الدعاءان - دعاء كميل هو أيضاً مناجاة مذهلة بالفعل - قريبَان كثيراً من بعضهما بعضاً من حيث المضامين. حتّى أنّهما قريبان كثيراً من بعضهما بعضاً من ناحية الفقرات. وهذا الدّعاء في حدّ ذاته فرصةٌ أيضاً. «إِلهِي هَبْ لِي قَلْباً يُدْنِيهِ مِنْكَ شَوْقُهُ وَلِسَاناً يُرْفَعُ إِلَيْكَ صِدْقُهُ وَنَظَراً يُقَرِّبُهُ مِنْكَ حَقُّهُ». حقّاً، التحدّث إلى الله المتعالي على هذا النّحو وطلب الحاجة وإبراز الشّوق لحضرة الحق المتعالي أمرٌ مميزٌ ورائع جدّاً... أو هذه الفقرة: «إِلهِي بِكَ عَلَيْكَ إِلَّا أَلْحَقْتَنِي بِمَحَلِّ أَهْلِ طاعَتِكَ وَالمَثْوى الصَّالِحِ مِنْ مَرْضاتِك»، أو هذه الفقرة التي هي الذّروة لهذا الدعاء وكان الإمام (رض) يذكرها بتكرار في خطاباته: «إِلهِي هَبْ لِي كَمال الاِنقطاعِ إِلَيْكَ، وَأَنِرْ أَبْصارَ قُلُوبنا بِضِياءِ نَظَرِها إِلَيْكَ حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصارُ القُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ»[3]. حقاً كيف نقدر أن ننطق بهذه [الكلمات] وأمامنا حُجُب الظلمات واحدة تلو أخرى، ثمّ يكون طلب هذا الدّعاء هو: «حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصارُ القُلُوبِ حُجُبَ النُّورِ»!

حسناً، هذه معالم استثنائيّة، وهنيئاً لمن تُتاح لهم، وأفهامهم وقلوبهم وأرواحهم متعرّفة إلى هذه المضامين وتُدرك هذه المفاهيم تماماً. هنيئاً لهم! نسأل الله أن يهب لنا ذلك أيضاً، إن شاء الله. على أيّ حال هذا شهرٌ مليءٌ بالبركات ونسأل الله أن نتمكّن من الاستفادة من هذا الشهر بكل وُسعنا وإلى أقصى حدّ ممكن، إن شاء الله.

 

الدّور المهمّ لـ«مجلس خبراء القيادة» في متانة النّظام الإسلاميّ

«مجلس خبراء القيادة» من المؤسسات القانونية التي لها دور كبير في متانة النظام الإسلامي. طبعاً كل المؤسسات القانونية - الحكومة ومجلس [الشورى الإسلامي] والقوات المسلحة ومجمع تشخيص [مصلحة النظام] و«مجلس صيانة الدستور» وما إلى ذلك، هذه كلها - يؤدي كل منها دوراً في متانة النظام الإسلامي، لكن دور بعضها أكثر، وبعضها أقل.

في رأيي إن «مجلس خبراء القيادة» من تلك المؤسسات التي لها أهم الأدوار في نظام الجمهورية الإسلامية، ولكن بالطبع شرط الفعالية لهذه المؤسسات القانونية كلها هو أن تعمل وفق القواعد وضمن الأطُر المحددة لها في الدستور. وأنتم أيضاً، أيْ عليكم حقاً أن تراعوا تلك الأشياء نفسها المطلوبة من «مجلس خبراء القيادة»، سواء أكان ذلك بالنسبة إلى الشخص الذي يتولى حالياً القيادة، أم بالنسبة إلى الشخص الذي سوف تنتخبونه لاحقاً ويدخل هذا الميدان، وتلك القواعد القانونية الدقيقة بشأن هذه الأمور. مجلس [الشورى الإسلامي] كذلك، والحكومة أيضاً. للحكومة حدود قانونية محددة، وينبغي أن تمتثل لقوانين مجلس [الشورى الإسلامي] كلها. والمجلس له حدود قانونية محددة، فلا ينبغي أن يتدخل في العمل التنفيذي والخوض فيه إطلاقاً، بل عليه أن يسن القوانين، وما شابه ذلك.

 

القدرة الوطنيّة والقوّة الوطنيّة عناصرُ حيويّة لكلِّ شعب

حسناً، إن متانة النظام هذه التي قلنا إن هذا المجلس والمؤسسات الأخرى لها تأثير فيها [مردُّها] أنه إذا كانت هذه المتانة موجودة، فإن القدرة الوطنية والقوة الوطنية ستتحققان. [نعم] القدرة الوطنية والقوة الوطنية. والقدرة الوطنية أمر مصيري لكل شعب. فإذا أراد شعب ما أن يكون مستقلِّاً مرفوع الرأس، وأن يستفيد من موارده الحيوية برغبته ولمصلحته، وأن يستخدم رأيه في قضاياه الأساسية، وألّا يكون مجبراً على اتباع رأي هذا أو ذاك، وألّا يكون قلقاً من طمع الأجانب، وألّا يعيش دائماً في خوف ورعشة، ماذا يفعل شعبٌ إذا أراد هذه الأشياء؟ يجب أن يكون قوياً. القدرة الوطنية والقوة الوطنية أمران مصيريان لكل شعب. إذا لم تكن هناك قدرة وطنية ولم يكن الشعب قوياً، فإن هذه الأشياء التي تحدثنا عنها، والتي تعدّ أهمّ القضايا وأكثرها أساسيّة لكل شعب، لن تتحقق لديه. [بل سيكون] دائم القلق ودائماً في حالة ضعف وذلة، والأجانب يسيطرون [عليه]، وما إلى ذلك. حسناً، لذلك متانة النظام ضرورية، والقدرة الوطنية والقوة الوطنية ضروريتان. القدرة الوطنية التي نتحدث عنها أمر مركب. إنها مجموعة، مجموعة مترابطة. لا تنبغي رؤية القدرة الوطنية في نقطة معينة أو حركة معينة، [بل] هي أمر حيث هناك مجموعة من العناصر التي إذا اجتمعت، تنشأ القدرة الوطنية، وسأذكر الآن بعضها.

 

بعض أركان القدرة الوطنيّة وعناصرها

ركنٌ من القدرة الوطنية هو العلم والتكنولوجيا. وهذا يعني أن جزءاً من هذه [القدرة] هو العلم والتكنولوجيا. وركنٌ [آخر] هو الفكر والتفكّر. إن امتلاك الفكر يختلف عن امتلاك العلم، فالفكر ينبغي أن يكون موجوداً. وهذا الفكر الحر الذي نطلق شعاره ونقبل كلَّ مَن يهتف بشعاره هذا هو أثره: التقدّم الفكري. فإذا لم يكن هناك تقدم فكري، وحتى لو حصل شعب ما على العلم وما شابه، فلن يُفيده. يجب أن يعمل الفكر وأن يتحرك ويكون له تقدّمٌ لدى الشعب والأمة كلها، وهو أمر غير ممكن إطلاقاً إلّا بالفكر الحر، أيْ من دون الحرية الفكرية التقدمُ الفكري غير ممكن.

عنصر آخر هو الأمن والقدرة الدفاعية: أن يتمكّن شعبٌ من أن يكون مطمئناً إلى أنه يستطيع الدفاع عن نفسه في الحالات الاضطرارية. جانبٌ آخر هو قضية الاقتصاد والرفاهية العامة. وهذه مؤثرة جداً، أي أن ينال الناس راحة البال من حيث المعيشة. ركنٌ آخر هو السياسة والقدرة على المُفاصَلة السياسية والدبلوماسية. وهذا أيضاً جزء من القدرة الوطنية، أن يكون لدى دولة ما وشعب ما منتخبون وخبراء يستطيعون في الميادين السياسة والدبلوماسية أن يُفاصلوا ويتفاوضوا ويثبّتوا مصالح الشعب ويستحصلوا عليها. ركنٌ آخر هو ثقافة العيش ونمطه. وهذا أيضاً ركنٌ للقدرة. إذا كان [شعبٌ ما]، من حيث نمط العيش، تابعاً للآخرين وأسيراً لهم وتابعاً دون رأي أو نظرة ولا يملك ثقافته الخاصة به، فهذا بالطبع ضعف شديد في القدرة الوطنية.

ركنٌ آخر هو المنطق الجذاب الذي يترك أثراً في الشعوب الأخرى ويصنع عمقاً إستراتيجياً لأيّ بلد، أي أن يكون لديكم منطق جذاب في الجمهورية الإسلامية، فعندما تطرحون هذا المنطق دون أيّ حاجب وواسطة مع الشعوب الأخرى، يكون هذا جذاباً لهم ولديه قدرة جذب ويقبلونه، وهو ما يصير عمقكم الإستراتيجي. هذه الأشياء كلها جزء من المجموعة المترابطة للقدرة الوطنية. بالطبع هناك عناصر أخرى أيضاً، وسأعود لاحقاً إلى ذكر بعضها التي هي محط نقاشنا.

 

حاجة البلاد إلى أركان القدرة كافّة

وخطأ التخلّي عن بعضها لمصلحة الأخرى

لا ينبغي قطع أيٍّ من أذرع القدرة هذه لمصلحة الأذرع الأخرى، ويجب أن تنتبهوا إلى ذلك. ليس لدينا الحق في قطع أيٍّ من عناصر القدرة هذه تصوّراً منا أنه مثلاً يتعارض مع عنصر آخر. كلا! كلها يجب تمضي قُدُماً معاً، وهذا أمر ممكن. حقاً إنها سذاجة أن يقترح أحدٌ أن نقلّص قدرتنا الدفاعية حتى لا يصير لدى الأعداء حساسية تجاهنا! في رأيي ليس هناك ما هو أقل خبرة وأكثر سذاجة من القول بمثل هذا الشيء، من مثل أنه حتى لا يصيروا حساسين تجاهنا، علينا تقليل قدرتنا الدفاعية وقدرتنا الأمنية الخارجية أو تقليصها... أو مثلاً ألّا يكون لنا حضور في قضايا المنطقة حتى لا تكرهنا القوة العظمى الفلانية أو لا تمسك علينا ذريعة. كلا! هذا الحضور في قضايا المنطقة هو عمقنا الإستراتيجي. وهو بحد ذاته وسيلة لمتانة النظام ولقدرة النظام. كيف يمكن أن نفقد هذا عندما يكون في إمكاننا أن نملك مثل هذا الشيء، وينبغي أن نملكه؟ ... أو التخلي عن التقدم العلمي! إذْ يقول بعض الأشخاص: «فلتتخلوا عن القضية النووية؛ لقد أوجدت القضية النووية هذا الكم كله من الحساسية أو صنعت مشكلة». حسناً القضية النوويّة هي علمية. إنها قضية التقدّم ​​العلمي والتكنولوجي لمستقبلنا. قريباً – ليس متأخراً جداً – بعد بضع سنوات سنكون بحاجة إلى منتَج الطاقة النووية، أيْ سنكون محتاجين إليها كلياً. إلى مَن سنذهب؟ متى نبدأ حتى نتمكّن من [الحصول عليها]؟ لذا إن صرف النظر عن هذه الأمور وتجاهلها [ليس صحيحاً]... أو مثلاً التنازل أمام أمريكا أو أي قوة أخرى من أجل البقاء في مَأمنٍ من الحظر، أيْ أن نقطع تلك الذراع من سياستنا ومُفاصلتنا السياسية ونتنازل أمام هؤلاء حتى – افرضوا مثلاً - إذا أصررنا قليلاً، يفرضون علينا الحظر! في رأيي هذه أخطاء، أخطاء قد قالها بعض الأشخاص بالطبع. لقد كانت لدينا هذه الأمور على مر الزمان. وباستدلالات هشة، وباستدلالات قابلة للتجريح، وفيها خلل، تُقال هذه الأشياء أحياناً على شكل تنظير فكري في صحيفة، أو هنا وهناك، مع أن هذه الاستدلالات كلها قابلة للدحض وتم إبطالها، وكان إصرارهم عديم الجدوى. لو سُمح خلال تلك السنوات لأولئك الذين كانوا يريدون أن يقطعوا بعض أذرع القدرة هذه بفعل ذلك العمل، لكانت البلاد ستواجه مخاطر كبيرة اليوم. لقد شاء اللهُ المتعالي وأعان، فلم يتمكنوا من عمل هذه الأفعال. ما سبق كان بشأن هذا الموضوع.

 

أركان الاقتدار الوطنيّ المرتبط بالنّاس

حسناً، كنت قد قلت إنني سأعود إلى [ذكر] بعض هذه الأركان للاقتدار الوطني. ثمة ركنٌ مهم للاقتدار الوطني هو تلك الأشياء التي تعود مباشرة إلى جماهير الناس، مثل الوحدة الوطنية، ومثل الثقة الوطنية، ومثل الأمل الوطني، والأمل العام، ومثل الثقة بالنفس الوطنية. تارةً تكون جنابك المسؤول عن القسم الفلاني من جهاز إدارة الدولة، وتكون شخصاً يتمتع بالثقة بالنفس، لكنك تريد أن تنجز عملاً يحتاج إلى مساعدة من الناس، [فإذا] لم يكن لدى الناس هذه الثقة بالنفس، فلا يمكنك أداء ذلك العمل. لقد تحدّثت ذات مرة بالتفصيل عن هذه الثقة بالنفس الوطنية[4]... أو متانة الإيمان الوطني. هناك أصولٌ، ويؤمن شعبنا بها. وقد أدّى هذا الإيمان إلى أن يتمكّن الناس في ذلك الوقت الذي لم يكن لديهم فيه أيّ أسلحة، وحتى الحجارة لم تكن متوافرة أيضاً في أحيان كثيرة، من الوقوف في وجه الرصاص من جنود نظام الطاغوت وإسقاطه؛ [هذا] كان ناجماً عن الإيمان. فهذا الإيمان الوطني ذخرٌ قيّم للغاية. وحفظ الإيمان الوطني واحد من هذه الذخائر التي تقع على عاتق الناس... أو قضية المعيشة العامة أو تسليس القضايا الاجتماعية.

 

حل مشكلات النّاس يضمن حضورهم في الميادين

الآن، السيّد رئيس الجمهورية قد أوضح كلامكم، أيها السادة. من أهم القضايا في إدارة البلاد والحياة العامّة للناس أن تكون قضايا الناس ميسّرة وألّا يعانوا من المشكلات والعوائق والموانع. كما قرر المسؤولون الموقرون أخيراً فتح نافذة واحدة للاستثمار[5] وأمثال ذلك. مثل هذه الأمور يجب أن تتم بسلاسة وسهولة. هذه أشياء تتعلق بالناس. إذا تم توفيرها، فسيتم تأمين حضور الناس إلى الميدان. أيْ إذا تمكنّا من معالجة هذه القضايا التي ترتبط بالناس أنفسهم مباشرة، فإن حضور الناس في الميدان سيكون مئة بالمئة. طبعاً، بحمد الله، رغم وجود مشكلات في بعض هذه القضايا [لا يزال الناسُ في الميدان]. حتى في ثمانينيات [القرن الماضي] خلال «الدفاع المقدس»، ورغم وجود الكثير من المشكلات، كان الناس حاضرين في الميدان، ولا شك في ذلك، ولكن إذا تم توفير هذه الأشياء، فسيكون الناس حاضرين في الساحة تماماً، وعندما يحضر الناس [في الساحة]، لن يصيب البلاد والشعب أيّ غمٍّ، ولن يخشوا أحداً.

 

محاولة الأعداء المستمرّة لإضعاف ركائز الاقتدار الوطنيّ

لهذا إن حضور الناس مهم جداً، وأيضاً حضور الناس مرهون بهذه الأشياء، فترون أن الشياطين، الكبيرة والصغيرة، تسعى إلى إغواء الناس. [كما] قال رئيسهم: {لَأُغوِيَنَّهُم أَجْمَعِينَ} (ص، 82) هم مشغولون بالإغواء دائماً، عبر وسائل الإعلام اليوم التي سهّلت جداً إيصال أيّ قول وأيّ كذب وتزيين وتبرير لكل كلام خطأ، فتوصل باستمرار أشياءَ إلى أعماق ذهنيات المجتمع. إنها تقوم بالإغواء... {لَأُغوِيَنَّهُم أجْمَعِين}، لكي تتمكن من ثني الناس عن هذا الإيمان وتلك الثقة وذلك الأمل وتلك الثقة بالنفس وتلك الأشياء التي قلتها، ولإحباطهم، ولسلبهم ثقتهم بأنفسهم والثقة بالمسؤولين، وتضعيف الوحدة الوطنية. إنهم دائماً في حالة الفعل لمثل هذه الأشياء. وهذا ما يفعله العدو.

 

إغواء الخواصّ عامل ووسيلةٌ لإغواء العوامّ

بالطبع الهدف هو إغواء جماهير الناس، لكن وسيلة إغواء الجماهير هي إغواء الخواص. من أهم الأمور اليوم إغواء الخواص في المجتمع، [أي] أولئك الذين لديهم اعتبار ومكانة، وأحياناً قد يكونون متعلمين، وأمثال ذلك. لأنه عندما يتم إغواء الخواص، إذا ما أُتيحت الفُرص والإمكانات لهؤلاء الخواص الذين تمّ إغواؤهم، فإنهم سيغوون جماهير الناس بسهولة. تجري اليوم واحدة من أعنف الحروب الناعمة في تاريخ بلادنا في هذا المجال. إنّهم يعمدون دائماً أن يصنعوا أفراداً آكلين للحرام بتربية المرتزقة وصناعة آكلي الحرام ولطائف الحيل. عندما يصير آكلاً للحرام، يصعب جدّاً إبعاده عن أكل الحرام، مثل الحيوان الجلّال. ويربّون المرتزقة، بعضهم بالتهديد، وآخرون بالتطميع وأنواع هذه الأمور وأقسامها. لذلك، تجري الآن حربٌ ناعمة قاسية.

 

قوّتنا وقدرتنا سببان لشدّة الحرب النّاعمة للعدوّ ضدّنا

بالطبع، أشير إلى هذا: لماذا الحرب الناعمة ضدنا قاسية إلى هذا الحدّ اليوم؟ السبب أننا صرنا أقوياء. نحن أقوياء. اليوم صارت جبهة الحقّ أقوى من ناحية البنية التحتية، ومن ناحية الإمكانات. اليوم إنّ تحدي العدو مع جبهة الحقّ ليس سهلاً. إنها مهمّة صعبة. ولهذا، يلجؤون إلى الحرب الناعمة ويبذلون قصارى جهدهم لتشويه الأذهان. هذا بسبب قدرتنا وقوّتنا. طبعاً قلنا إنّ الخواص مُستهدفون، لكن بين الخواص هناك - بحمد الله - مجموعات كبيرة وعظيمة موجودة اليوم من خرّيجي الحوزة والجامعة، وخاصة الشباب الذين يتمتعون بالبصيرة، ولديهم الدوافع أيضاً، ويمكن أن يكونوا ركناً بالمعنى الحقيقي للكلمة، ركناً وثيقاً. بالطبع، العدو يبذل الجهود بشدّة، ويسعى للتأثير والنفوذ بشدّة أيضاً.

 

جهاد التّبيين واجبٌ آنيّ على الجميع في مواجهة تخريب العدوّ

إذن، ماذا سنفعل الآن مقابل تحرك العدو هذا؟ جهاد التبيين! كما تحدّثتم مراراً في كلامكم خلال هذين اليومين، وأنا أيضاً كررت ذلك مرات عدة من قبل وتحدّثت حول جهاد التبيين. فلماذا نقول الآن الجهاد، جهاد التبيين؟ هذا مأخوذ من كلام أمير المؤمنين (ع)، فهو في تلك الوصيّة الشهيرة للحسنَين (ع) - هي موجّهة إليهما لكنّه يقول: «وَمَن بَلَغَهُ كِتَابِي»، أي أنا العبد وأنتم مُخاطبون في هذه الوصيّة أيضاً – كان من جملة الأشياء التي يقولها: «وَاَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ»[6]، الجهاد بـ«الألسنة». لحسن الحظ، أولئك الذين كانوا قادرين ومُلمّين بذلك [من أبناء] شعبنا جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، ولا يزالون يجاهدون أيضاً. [لكن] يجب الجهاد بـ«الألسنة» أيضاً، إذ يمكن للأشخاص أن يجاهدوا ويكونوا فعّالين في هذا المجال حقّاً.

 

ملاحظات حول جهاد التّبيين

1) رفضُ تخصيص موازنة ضخمة لجهاد التّبيين

حسناً، تحدثنا مرات عدّة بخصوص جهاد التبيين. سوف أشير إلى بضع نقاط في هذا الصدد اليوم ربما لم أقلها من قبل. النقطة الأولى التي يجب أن أشير إليها ابتداءً هي أنني سمعت أنّ مجلس [الشورى الإسلامي] أخذ بالاعتبار ميزانية ضخمة لجهاد التبيين. أنا لستُ موافقاً كثيراً على هذا الأسلوب من التعاطي. فنحن لسنوات على تعاطٍ مع الأجهزة والميزانيات وما إلى ذلك. تجربتي تقول إن الميزانيات المجهولة مثل هذه غالباً ما تُهدر ولا تصل إلى نتيجة. يضع المجلس ميزانية ضخمة، وأنا بالطبع أثق بالمسؤولين الذين يجب أن تصل إلى أيديهم مثلاً هذه الميزانية [لكن] اسمحوا لي أن أقول لكم هذا: أنا لا أشكّ أبداً في هؤلاء المسؤولين، سواء في وزارة الإرشاد أو في «منظمة التبليغ الإسلامي» وأمثالها. إنني أثق بهم. هم أُناسٌ مؤمنون وأسوياء لكن طبيعة هذا العمل غير صائبة، أي أن يضعوا ميزانية ضخمة لجهاد التبيين، وهو ما نتمنى أن يلتفت إليه هؤلاء السادة بالطبع. في الخلاصة إنني لست موافقاً، وبصفتي شخصاً يولي أهميةً كبيرة لجهاد التبيين، لست موافقاً على هذا النوع من الميزانية وهذا النوع من الإنفاق. هذه نقطة.

2) الحاجة إلى الابتكار واستخدام الأسلحة الحديثة في الجزء البرمجيّ لجهاد التّبيين

النقطة الثانية هي أنه في الحروب الصلبة لم يعد بالإمكان القتال بالأسلحة القديمة. اليوم لا يمكن الدخول بالسيوف والرماح وما شابه إلى حرب المدافع والصواريخ وما في حكمها. الأمر كذلك في جهاد التبيين. [لا يمكن العمل] بالطرق القديمة. طبعاً لا بدائل عن بعض الطرق القديمة، مثل المنبر ومجالس العزاء والمديح. هذه [أمور] قديمة لكن ليس لها بديل، ولا تزال فعّالة، ولا يمكن لشيء آخر أن يحل مكانها، ولكن من حيث الأدوات المختلفة لا بدّ من تحديثها.

بالطبع أسلحتنا الصلبة اليوم جيّدة في هذا المجال، وهذا يعني طبعاً أن في مجال الفضاء المجازي ناشطين ويعملون. ومع أن هناك مشكلات في الفضاء المجازي - إن شاء الله، يجب على السيد [إبراهيم] رئيسي وأصدقائه بذل الجهود وحل المشكلات في أقرب وقت ممكن - لكن [الأعمال] لا تزال متاحة. إنّ الأعمال التي يجب أداؤها متوفرة من حيث المعدّات، [لكن] المهم هو جزء البرمجيات من القضيّة. فسلاح التبيين يحتوي على جزء برمجي مهم. ويجب أن يحدث الابتكار هنا، ولا بدّ من التحدث بكلام جديد والتعبير بأسلوب جديد.

سلاحنا الجديد تبيين المفاهيم الإسلاميّة السّامية في مختلف المجالات

في رأيي إنّ أفضل ما يمكن استخدامه اليوم كسلاح فعال هو تبيين المفاهيم الإسلاميّة السّامية في مختلف المجالات. لدينا كثير من الكلام لم يُقل في مجال القضايا المعرفية وفي المعارف، ولدينا كثير [من الكلام] الجذّاب والجميل لنقوله للعالم. هناك كلامٌ كثيرٌ لم يُقل حول القضايا المتعلقة بنمط العيش الإسلامي. أحدها موضوع البيئة على سبيل المثال، والآخر المعاملة مع الحيوانات، والآخر قضيّة الأسرى. هذه [أمور من] نمط العيش. للإسلام كلام جذّاب في هذا كله، وكذلك المعارف الإسلامية التي يمكن استخلاصها وتجريدها من النصوص الإسلامية وإتاحتها للجميع.

كلام جذّاب وجديد للإسلام في مجال قواعد الحاكميّة الإسلاميّة

... أو في قواعد الحاكمية الإسلاميّة. من أهم القضايا التي يمكن طرحها قضية الحاكمية الإسلامية. فالحاكمية من منطق الإسلام تختلف في أصلها وجذورها عن الحاكمية الرائجة في العالم. هي لا تشبه السلطنة ولا رئاسات الجمهوريات في العالم اليوم ولا القيادات ولا الرؤساء الانقلابيين. ليست مثل أيّ من هؤلاء. إنها شيء خاصّ يستند إلى مبادئ معنوية. نمط الحاكمية الإسلامية هو كما يلي: أن تكون شعبية دينية عَقَدية، وألّا تكون أرستقراطية ومسرفة، وأيضاً غير ظالمة، لا ظالماً [ولا مظلوماً]: «لا أُظْلَمَنَّ وَأَنْتَ مُطِيقٌ لِلدَّفْعِ عَنِّي، وَلا أَظْلِمَنَّ وَأَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى الْقَبْضِ مِنِّي»[7]. [هذه] في أدعية الصحيفة السجاديّة. إن كلّ كلمة منا ذات أُسُس معرفية هي مهمة. وهذه الأشياء التي هي أسلحتنا الجديدة، ويجب أن نستخدمها.

3) فصل طريق التّقدّم الماديّ للشّعب عن طريق الضّياع

النقطة الثالثة التي نطرحها في جهاد التبيين هي أنه يجب فصل طريق التقدم والتعالي المادي للشعب عن طريق الانحراف وطريق الضياع في جهاد التبيين. هذه إحدى القضايا المهمّة. ذات يوم منذ سنوات عدة، في خطبة صلاة الجمعة[8]، قلنا: «المؤالف والمخالف»، فأثيرت الضجة: «لماذا تقسّمون بين مؤالف ومخالف» في حين أن أولئك السادة أنفسهم الذين كانوا يطرحون هذه المسألة طبّقوا مراراً وتكراراً «المؤالف والمخالف» في القضايا المختلفة. إن موضوع «المؤالف والمخالف» موضوع أساسيّ. ليس المؤالف بمعنى قريب أو رفيق المسلك أو المنتمي إلى الحزب نفسه أو يحمل الفكر عينه في المجموعة. كلّا! المؤالف هو في الاعتقاد بطريق الإسلام، وفي الاعتقاد بمنظور القرآن، وفي الاعتقاد بالإيمان الإسلامي والحركة العظيمة للجمهورية الإسلامية التي أُنفق من أجلها هذا كله. إن هذا مهم، ويجب فصل هذا الطريق الصحيح عن طريق الانحراف وطريق الضياع، وتوضيح ذلك. هذا المعنى مهمّ في جهاد التبيين.

4) عواقب إهمال الإنجاز الصّحيح لجهاد التّبيين ونتائجه

النقطة الأخيرة حول جهاد التبيين - إنها تحذير لنا، وتهديد لنا - هي أن نعلم أنه إذا لم يتم أداء جهاد التبيين بصورة صحيحة، فسيستخدم أهل الدنيا الدينَ أيضاً كوسيلة لتلبية رغباتهم وشهواتهم، أي إذا لم نفعل، أنا وأنتم، أعمالنا بطريقة صحيحة، فإن ذاك الذي يهتم بالدنيا فقط - عالمه الخاص، أهواءه وأمنياته ورغباته الشخصية - سوف يوظّف الدين أيضاً.

هذه الجملة في الرسالة الشهيرة التي وجهها أمير المؤمنين (ع) إلى مالك الأشتر[9]. يوضح الإمام أنّه عليك اختيار أولئك الذين لديهم هذه الخصائص، ويذكر الخصوصيات بالتفصيل، ثم يقول اخترها لمن يعمل معك. وبعد أن يبيّن تلك الخصوصيات، يقول: «فانظر في ذلك نظراً بليغاً فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار». أمر عجيب! يقول أمير المؤمنين (ع) هذا [الكلام] لمالك الأشتر، أي بعد عشرين سنة من رحلة النبي (ص)؛ إنّها إشارة إلى تسلّط بني أميّة أنفسهم وأمثالهم، أولئك الذي يصلون الصبح أربع ركعات أو ستّاً ثم يقولون أيضاً: وضعنا جيّد، وإن شئتم، نصلّي لكم أكثر. «فإن هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يُعمل فيه بالهوى، وتُطلب به الدنيا». نعوذ بالله المتعالي من الوقوع في مصائد الشيطان الصعبة هذه، سواء أنفسنا أو شعبنا. ونرجو أن نتّعظ أولاً مما قلناه، إن شاء الله، ثم أن تترك هذه الكلمات الأثر أيضاً.

إلهي، بحق محمد وآل محمد، بارك شهر شعبان هذا على الأمة الإسلامية جمعاء، وعلى الشعب الإيراني. اللهم أرضِ عنا القلب المقدس لوليك، وبلّغه سلامنا ومحبتنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 


[1]. في بداية اللقاء، تحدّثَ بكلمة حجة الإسلام والمسلمين السيد إبراهيم رئيسي (النائب الأول لرئيس مجلس خبراء القيادة).

[2]. مصباح المتهجد وسلاح المتعبد، ج. 3، ص. 829 (الصلوات الشعبانية).

[3]. إقبال الأعمال، ج. 2، ص. 686 (المناجاة الشعبانية).

[4] . كلمة سماحته لدى لقائه طلاباً من جامعات محافظة يزد، 3/1/2008.

[5]. وفقاً لمرسوم «مجلس الشورى الإسلامي» إن جميع الأمور المتعلقة بتراخيص الأعمال، من قبيل تلقي الطلبات والرد على الاستعلامات والموافقات وإصدار التراخيص، سيجري تنفيذها جميعها حصراً عبر البوابة الوطنية للتراخيص، مع مطلع عام 1401 هجري شمسي (يبدأ في 21 آذار/ مارس 2022).

[6] نهج البلاغة، الرسالة 47.

[7] الصحيفة السجادية، دعاء «مكارم الأخلاق».

[8] يقصد خطبتي صلاة الجمعة في طهران، 30/07/1999.

[9] نهج البلاغة، الرسالة 53.