«لو لم تكن إسرائيل حاضرة، لكان من الضّروري أن تخترع الولايات المتحدة الأمريكيّة إسرائيل من أجل صون مصالحها في المنطقة»، هذا ما قاله الرئيس الحالي لأمريكا، جو بايدن، في حزيران/يونيو 1986. إنّ أمريكا تدافع منذ أعوام بقوّتها وبالأساليب شتى عن الكيان الصهيوني عبر تزويده بالأسلحة والتجهيزات العسكريّة ومدّه بأنواع الدعم الماليّ والاستخباراتي، وصولاً إلى استخدام حقّ الفيتو ضدّ القرارات التي تستهدفه. وكما أشار المسؤولون الأمريكيّون في مختلف التصريحات، إن هذا الدعم ضروري لضمان مصالح بلادهم. لكن يبدو أنّنا نشهد شرخاً عميقاً بين المسؤولين الأمريكيّين والناس، فلم يعد هذا التبرير مقنعاً لعدد من المواطنين الأمريكيّين.

طبعاً لم تكن نقطة البداية لهذا الشرخ بعد عمليّة «طوفان الأقصى» التي انطلقت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل ينبغي البحث عن جذوره في الأعوام التي ارتكب فيها الكيان الصهيوني الجرائم التي أدّت إلى انكسار الصورة الأخلاقيّة للكيان تدريجياً. أجرت مؤسسة «غالوب» لاستطلاع الآراء استطلاعاً في عام 2013 ووجّهت إلى الأمريكيّين سؤالاً: مع من تتماهون، فلسطين أو إسرائيل؟ فاختار 64% إسرائيل ولم تتعدّ نسبة الذين أعلنوا تماهيهم مع فلسطين 12%. في 2017، تراجعت نسبة 64% إلى 62%، وارتفعت نسبة 12% إلى 19%. وفي 2021، أي العام نفسه الذي حكمت فيه المحكمة العليا في الكيان الصهيوني بإخلاء حيّ الشيخ جرّاح شرقي القدس، وعرضت وسائل الإعلام الفلسطينيّة مشاهد كثيرة لمقاومة الناس في هذه المنطقة على شبكات التواصل الاجتماعي، أعلن 25% من المواطنين الأمريكيّين تماهيهم مع الفلسطينيّين وبلغت نسبة المتماهين مع إسرائيل 58%،[1] كما أنّ النظرة الإيجابيّة إلى فلسطين ارتقت من 12% عام 2013 إلى 30% في 2021.

إنّ إلقاء نظرة على هذه الأعداد والمسار التصاعدي لدعم فلسطين في أوساط الرأي الأمريكي العام خلال الأعوام الأخيرة يثبت التراجع في تأثير وسائل الإعلام التابعة للتيار الأساسي، وقدرة المواطنين اليوم على مشاهدة أداء الكيان الصهيوني وممارساته في فلسطين مباشرة ودون وسائط، وهذا ما أثّر في تقييمهم وحكمهم على هذه القضيّة.

شكّلت الجرائم الكُبرى التي ارتكبها الكيان الصهيوني خلال الأشهر الأربعة الأخيرة تقريباً نقطة انعطاف في تبدّل رؤية المواطنين الأمريكيّين والعالم أجمع. والنقطة اللافتة أن الكيان الصهيوني كان يسعى خلال الأيام الأولى إلى انتهاج سياسة «التظاهر بالمظلوميّة»، لكنّه بعد مدة، ومع الانتشار الواسع لممارساته، ومنها إبادة الفلسطينيّين وارتكاب المجازر التي حصدت أرواح أكثر من 27 ألفاً، إضافة إلى العمل على التهجير القسري لأهالي غزّة والهجوم على مناطق غير عسكريّة مثل المستشفيات ومحاصرة قطاع غزّة كلياً، تخلّى عن هذه السياسة وترك الرأي العام وشأنه.

صرّح الأستاذ في جامعة شيكاغو جون مرشايمر حديثاً في إحدى الحوارات: «بناء على الأبحاث التي أجرتها خليّة تفكير إسرائيليّة، دعمت 69% من الاعتراضات التي انطلقت بين 7 و13 تشرين الأوّل/ أكتوبر فلسطين وأدانت إسرائيل، كما أنّ قرابة الـ95% من الاعتراضات لاحقاً كانت داعمة لفلسطين؛ تُشير هذه الإحصائيّة إلى انقلاب الرأي العام العالمي ضدّ إسرائيل»[2].

وأجرت وكالة «رويترز/إبسوس» استطلاعاً للرأي بعد شهر من «طوفان الأقصى» أعلن فيه 32% من المشاركين أنّ أمريكا ينبغي أن تدعم إسرائيل، فيما كان هذا العدد 41% بعد أسبوع من هذه العمليّة.[3]

اللافت في غالبيّة هذه الاستطلاعات الاختلاف الملحوظ بين آراء المواطنين الأمريكيّين حسب أعمارهم. على سبيل المثال، عبّر 67% من الشباب بين 18 و34 سنة عن معارضتهم العمليّة العسكريّة لإسرائيل في غزّة لكنّ هذا العدد بلغ في أوساط من هم فوق 35 سنة نسبة 40% تقريباً.[4]

ترى الفئات المسلمة والعربيّة التي تسكن أمريكا دعم الحكومة الأمريكيّة الكيان الصهيوني بمنزلة دعمٍ لإبادة الأجيال وهذا سيجعل بايدن يواجه تحدّياً كبيراً في انتخابات الرئاسة المقبلة. وقد اتهم «مجلس العلاقات الأمريكيّة–الإسلاميّة» (CAIR)، الذي يُعدّ من أبرز الحركات المدنيّة المسلمة في أمريكا، بايدن بدعم التطهير العرقي لأهالي مدينة غزّة.[5]

في الوقت عينه، أدّى دعم الحكومة الأمريكيّة الكيان الصهيوني إلى تراجع المكانة الدوليّة لهذا البلد في أوساط الرأي العام العالمي أيضاً. فوفق استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «مورنينغ كانسلت» في كانون الثاني/يناير 2024، تراجعت النظرة الإيجابيّة لدى المواطنين المصريّين تجاه أمريكا بعد السابع من أكتوبر من 41.1 إلى 14.9. کما تراجع هذا العدد في السعوديّة من 12.2 إلى 10.5.[6]

هذه حال عدد من الدول غير العربيّة أيضاً، فعلى سبيل المثال، تراجعت النظرة الإيجابيّة لأمريكا في 2023 مقارنة مع 2022 في بريطانيا وفرنسا وألمانيا والمجر وكوريا الجنوبيّة بنسب 5، 5، 6، 11 و10 بالمئة بالترتيب.[7]

بغض النظر عن ردود أفعال الرأي العام تجاه أنواع الدعم التي تقدّمها أمريكا إلى الكيان الصهيوني، شهدنا ردود أفعال أيضاً على مستوى المسؤولين الرسميّين، فقد صرّحت النائب اليهوديّة في الكونغرس براميلا جايبال بأنّ الحكومة الأمريكيّة ينبغي أن تعيد النظر في الدعم غير المشروط لإسرائيل.[8] كما اتّهمت المتحدّثة باسم الحكومة الروسيّة أمريكا باتباع مسار مدمّر في قضيّة «الحرب الدائرة بين إسرائيل وفلسطين»[9].

منذ السابع من أكتوبر حتى اليوم، أطلق المواطنون الأمريكيّون عشرات المسيرات الضخمة دعماً لفلسطين ومعارضة لدعم أمريكا الكيان الصهيوني. إضافة إلى الجوانب الإنسانيّة والأخلاقيّة لدعم فلسطين كان بارزاً ما كتبه المعترضون كشعارات على يافطاتهم، عبّرت عن غضب الناس من التكاليف الضخمة والباهظة التي تتحمّلها الحكومة الأمريكيّة من أجل إشعال الحروب. يقول المعترضون إنّه في الوقت الذي تحتاج البنى التحتيّة والنظام الصحي والعلاجي لهذا البلد إلى زيادة في الميزانية، تساعد الحكومة عبر ضرائب الناس أوكرانيا والكيان الصهيوني. طبعاً تحوّل هذا الموضوع إلى شرخ حقيقي بين النواب في الكونغرس، وهناك نقاش في طبيعة الاستمرار في تقديم هذه المساعدات ومدتها.[10]

 


[1] https://news.gallup.com/poll/350393/key-trends-views-israel-palestinians.aspx

[2] https://www.youtube.com/watch?v=MuDstZvaGbE

[3] https://www.reuters.com/world/us-public-support-israel-drops-majority-backs-ceasefire-reutersipsos-2023-11-15/

[4] https://news.gallup.com/poll/545045/americans-back-israel-military-action-gaza.aspx

[5] https://www.cair.com/press_releases/cair-calls-on-biden-admin-to-repudiate-senior-israeli-officials-open-call-for-the-ethnic-cleansing-of-gaza/#:~:text=CAIR%20called%20on%20Americans%20of,widespread%20and%20that%20bodies%20are

[6] https://pro.morningconsult.com/analyst-reports/year-ahead-in-geopolitical-risk-2024

[7] https://www.pewresearch.org/global/2023/06/27/overall-opinion-of-the-u-s/

[8] https://www.theguardian.com/us-news/2024/jan/19/unconditional-support-israel-netanyahu-jayal-democrats

[9] https://www.reuters.com/world/kremlin-warns-there-is-risk-regional-escalation-after-israel-violence-2023-10-09/

[10] https://www.ft.com/content/be2eeb38-0879-44f4-8929-c816f57864a7