الكاتب: يوسف فارس

حفرت الساعة الثامنة و45 دقيقة من يوم الخامس من حزيران/يونيو 1967 أخاديد عميقة في وعي الشعوب العربية؛ الأجيال المتعاقبة التي عايشت الهزيمة الكبرى الموصومة بمسمى "النكسة" طُبع في وعيها الجمعي شعورٌ عميق بالخيبة، ما أفسح للكيان الصهيوني مساحة لبناء هالة القوة وسياج عالٍ من ادّعاء "استحالة الهزيمة". ستة أيام من القتال على ثلاث جبهات مجتمعة، هي مصر وسوريا والأردن، تمخض عنها انكسار كامل لجيوش الأنظمة التي ظلت طوال 19 عاماً من نكبة أيار/مايو 1948 تغذي شعور الأمل في وجدان الشعبين العربي والفلسطيني بهزيمة الكيان الصهيوني الوشيكة. أعوام عايش فيها اللاجئون الفلسطينيون إحساساً متزايداً بقرب العودة إلى المدن والبلدات المحتلة.

تاريخياً يحيط بالأسباب التي دفعت كيان الاحتلال المؤقت إلى بدء الحرب جملة من العوامل. أولها حملة سيناء عام 1956 (العدوان الثلاثي) التي شكلت تهديداً وجودياً إذا ما نُظر إليها في سياق جهود التسلح التي بذلتها مصر بقيادة جمال عبد الناصر. تلك الجهود المصرية تظافرت مع التطلعات القومية للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، إذ مارست سوريا آنذاك نشاطاً متصاعداً ضد المستعمرات الإسرائيلية على الجبهة السورية وأمام الجبهة الأردنية.

ليس أقل من ذلك ما بذلته الأنظمة العربية من جهود في ميدان السياسية، ولا سيما قرار القمة العربية 1964 في القاهرة بتحويل مياه نهر الأردن في كل من سوريا ولبنان وتأسيس «منظمة التحرير الفلسطينية» عام 1965، الأمر الذي انسجم مع جملة من القرارات القومية ذات الصدى الكبير، ومنها ما أصدرته القمة العربية في أيار/مايو 1967، وفي مقدمتها مطالبة مصر بسحب قوات الأمم المتحدة من سيناء، والبدء بحشد جيشها على طول الشريط الحدودي المتاخم لدولة الاحتلال، وعقب ذلك إغلاقها يوم 22 أيار/مايو "مضايق تيران" في البحر الأحمر في وجه الملاحة الإسرائيلية، وهو ما اعتبرته القيادة الأمنية لكيان الاحتلال بمكانة إعلان رسمي للحرب.

بدأ جيش الاحتلال الصهيوني حرباً غير متكافئة تميل فيها الكفة إلى مصلحة الجيوش العربية التي تجاوزت لناحية التسليح والقدرات البشرية ما يمتلكه الاحتلال. آنذاك، كانت الجيوش العربية الثلاثة يتجاوز تعداد جنودها 355 ألف جندي مقابل 240 ألف جندي صهيوني، و45 لواءً عسكرياً مقارنة بـ 35 لواء صهيونياً، وأكثر من 1800 دبابة من المقرر أن تواجه 1200 دبابة صهيونية، و1760 عربة نقل جنود ستقابل 1500 منها في جيش الاحتلال، و512 طائرة حربية ستقاتل في وجه 380 طائرة صهيونية، و80 قطعة بحرية مقابل 20 منها في الجيش الصهيوني.

هذا كله إلى جانب ميدان عسكري واسع وعمق إستراتيجي غير محدود يعطي هامشاً واسعاً للمناورة لمصلحة الجيوش العربية، وامتياز شن الهجوم من ثلاثة حدود ممتدة: مع الأردن 360 كيلومتراً، ومع مصر 212 كيلومتراً، ومع سوريا 79 كيلومتراً، في مقابل مساحة جغرافية ضيقة لا تعطي الصهيوني فرصة للمناورة. بلغة العسكر المادية، ليس هناك ما ينبئ بأن مصير جيش عربي بكل الامتيازات العسكرية التي يمتلكها يمكن أن يكون الهزيمة النكراء. لكن حتى مساء العاشر من حزيران/يونيو، كان جيش الاحتلال الصهيوني، قد احتل شبه جزيرة سيناء، وأسقط دفاعات الجيوش العربية في غزة وخانيونس والضفة الغربية، فضلاً عن احتلاله الجولان السوري حتى مدينة القنيطرة بمساحة أراضٍ إجمالية قدرت بـ69347 كيلومتراً مربعاً، أي ضعفين ونصف من مساحة فلسطين الحالية. وعوضاً عن الأمل في العودة إلى المدن التي هُجر منها الفلسطينيون عام 1948، كان 400 ألف من سكان الضفة و100 ألف من سكان الجولان على موعد مع هجرة جديدة!

رغم ذلك، بقيت الهزائم العسكرية والميدانية التي خلفتها "النكسة" هي الأقل حدة، فالتأثير الأبرز التي تركته طاول الوعي العربي الجمعي الذي تُرك فريسة لبروباغاندا الاقتدار الإسرائيلي المطلق، والقدرة القادرة دائماً على تحقيق الانتصار، استناداً إلى مقولة/عقيدة "الجيش الذي لا يقهر".  وواحد من أبرز مفاعيل الهزيمة كان الإذعان العربي من جهة الأنظمة لتقبل وجود كيان الاحتلال في المنطقة، بوصفه قدراً لا بد من التعاطي معه، فاندفعت تلك، واحدة تلو أخرى، إلى توقيع اتفاقات الاستسلام مع الاحتلال، وتبدلت هيئة الرؤساء من أصحاب المشاريع التحررية والقومية إلى من يتسابقون إلى زيارة كيان الاحتلال وتوقيع معاهدات الهزيمة معه.

«الجيش الجديد»

منذ الستينيات حتى مطلع الألفية الجديدة مضى وقت طويل، وكانت فكرة بعث الشعوب وإعادة الاعتبار إلى إرادتها وثقتها بالقدرة على الإنجاز في وجه العدو الإسرائيلي بحاجة إلى حدث كبير في هيئة هزيمة وانكسار يمنى به الاحتلال عسكرياً ومعنوياً. كان ذلك الحدث هو الهرب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000. لقد شكل هذا الانتصار فاتحة عصر جديد ليس في وعي المجتمع الصهيوني الذي بدأت تلوح أمام ناظري ساسته نذرَ السقوط الأبدي فقط، إنما لدى الشعوب العربية، والشعب الفلسطيني خاصة.

يقول فريح أبو مدين، وهو وزير العدل الفلسطيني السابق وصندوق ياسر عرفات الأسود، لكاتب المقالة، إن "أبو عمار" نفسه كان مسكوناً بنموذج حزب الله، وإنه خَلص في نهاية حياته إلى أن أفضل الطرق لتحقيق الانتصار الكبير هو تسليم الراية للجماهير لكي تقوم بدورها. لقد برهنت تجربة المقاومة اللبنانية أن تاريخ العدو الصهيوني الحافل بالانتصارات على الأنظمة لا يحمل أي دلالة على القوة غير القابلة على القهر، بقدر ما يدل على غياب السوية لدى الأنظمة والجيوش التي يعتريها الضعف، وتفتقر إلى الحاضنة والروح الجمعية لشعوبها، وينخر في جسدها الفساد.

من وحي ذلك الانتصار، انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وصار على الجيش الصهيوني أن يستنفذ كل إمكانات جيشه في مواجهة نوع جديد من الجيوش غير القابلة للهزيمة هو جيش الشعوب الذي لا تحيط به الأعداد، ولا يمتلك الترسانة العسكرية التي كانت تمتلكها جيوش العرب مجتمعة التي هزمت في ستة أيام، بل يمتلك ما هو أهم من ذلك بكثير: الروح والاستعداد المطلق للتضحية والاستشهاد. هذا تحديداً ما أشار إليه قائد الثورة الإسلامية، الإمام الخامنئي، أكثر من مرة في خطاباته خاصة الأخيرة، حينما حثّ الحكام على الاعتماد على شعوبهم، ودلل سماحته في أكثر من موقف على أن نزول الناس إلى الميدان يقلب كل شيء.

اليوم، بعدما امتلأت روزنامة العرب والمسلمين، بمشاهد الانتصارات المتكررة، في غزة عام 2005، الذي انسحبت منه جيوش الاحتلال تحت ضربات المقاومة، وفي لبنان عام 2006، وفي الصمود الأسطوري للمقاومة في غزة في أربع حروب مدمرة كان آخرها معركة «سيف القدس» التي نعيش ذكرى انتصارها، يمكن القول إن كيان الاحتلال المؤقت يعيش أسوأ أيامه وآخرها، لأن الناس دخلوا إلى ميدان المقاومة مؤمنين بتحقيق الانتصار، وهو العامل الذي لم يكن حاضراً في الهزائم السابقة.  وفي هذا السياق، كان الإمام الخامنئي قد عبّر عام 2017 عن أن تحرير جنوب لبنان وغزة يعدان «هدفين مهمين» لكن «مرحليين» في «سياق تحرير فلسطين»، كما أنهما «استطاعا تغيير مسار التوسع الجغرافي للكيان الصهيوني».

هنا الحديث ليس عن المقاومة غير المنضوية في جيوش نظامية فقط إنما عن الصحوة الشعبية الجمعية التي تجعل لكل عناصر المجتمع ومكوناته دوراً في المقاومة لا يقل أهمية عن الفعل العسكري المباشر، الأمر الذي يؤكده الإمام الخامنئي بالقول: «لقد دخل الناس الميدان بدافعٍ تام. إن هذه الحركة الشعبية العظيمة عمل عظيم ومبارك. وإن حضوركم في الميدان السياسي والشعبي للدفاع عن القدس هو دفاع حقيقي عنها. هذا دفاعٌ حقيقي. أولئك الأشخاص الذين يدافعون اليوم بأجسادهم وأرواحهم عن القدس والمسجد الأقصى - القبلة الأولى للمسلمين - بحركتكم هذه تشتد عزيمتهم ويستمدون الطاقة ويثبتون».
 

بين زمنين مختلفين

ونحن في الأيام التي تتقاطع فيها ذكريات الهزائم النظامية الغابرة مع واقع الانتصارات الشعبية المعاصرة، من الجيد الإشارة إلى جملة من النقاط ذات الدلالة:

- لقد احتاج جيش العدو إلى ستة أيام لهزيمة ثلاثة جيوش عربية نظامية مدججة بالسلاح، فيما لم يفلح خلال 22 عاماً من اندلاع انتفاضة الأقصى في القضاء لا على المقاومة الشعبية التي عمادها الناس وضمير الأمة الحي، ولا على الأذرع العسكرية لفصائل المقاومة في غزة والضفة المحتلة.

- ظن جيش العدو أن الحملة العسكرية الكبرى التي هاجم بها مخيم جنين عام 2002 حققت لأمنه منجزاً أبدياً، لكن بفاصل زمني تجاوز 20 عاماً بقليل تضمنت نشوء جيل جديد أُثبت زيف الظن الصهيوني، إذ يجد جيش الاحتلال نفسه في مواجهة أبناء الشهداء الذين قضوا في معركة جنين الخالدة وحتى أحفادهم، فيما تتسارع خطى تمدد تجربة «كتيبة جنين» إلى مدن الضفة كافة التي أنفقت دولة الاحتلال مسنودة بجنرالات ومستشارين أمريكيين ملايين الدولارات لتدجين جيلها وتغيبه عن همومه الوطنية، وهذا ما يحقق رؤية سماحته بشأن تسليح الضفة وأن ذلك من أقصر الطرق لتحرير فلسطين.

- بعد ثلاثة حروب مدمرة في قطاع غزة الذي كانت تصنفه مراكز الدراسات الأمنية الإسرائيلية أنه الخاصرة الأضعف بين بنى قوى المقاومة في المنطقة إذا ما قورن بجبهات مثل لبنان وسوريا وإيران، استطاعت مقاومة غزة رغم الحصار وصعوبة الإمكانات أن تضرب العمق الإسرائيلي على النحو الأكثر ألماً في تاريخ الكيان الصهيوني، إلى الحد الذي وصل فيه الاحتلال الذي ظل معربداً طوال 70 عاماً أن يتغنى قبل أيام بتمكنه من تنظيم مسيرة للمستوطنين في مدينة القدس باعتباره إنجازاً نوعياً اضطر في سبيل حمايته إلى تنظيم مناورات عسكرية هي الأكبر في تاريخ جيشه.

عليه، يمكن القول بمنتهى الأمانة والضمير إن كيان الاحتلال الصهيوني يعيش اليوم هاجس السقوط في عقده الثامن، لأنه يخوض حرباً لا تؤثر إلا في وعي جيشه ومجتمعه، وجيش هذه الحرب هي الشعوب الحية التي أثبتت قدرتها المستمرة على تجديد ذاتها ونفسها اللامتناهي في المقاومة دون شكوى من الاستنزاف والضعف، في وقت يراكم كيان العدو التصدع والخلافات الداخلية والشعور الجمعي بقرب السقوط أكثر من أي وقت مضى.

 

*إنَّ الآراء الواردة في هذا المقال، لا تعبّر بالضّرورة عن رأي موقع arabic.khamenei.ir