لطالما كانت منطقة غربي آسيا، بوصفها أحد المراكز الجيوسياسية المهمة في العالم، ساحة لنضالات واسعة ضد الاستعمار والإمبريالية. هذه النضالات متجذرة في التاريخ الطويل لمقاومة شعوب هذه المنطقة، التي وقفت في وجه ظلم القوى الخارجية والداخلية واستبدادها. في هذا السياق، قال قائد الثورة الإسلامية في خطبة عيد الفطر في تاريخ 31/3/2025: «لقد تناهى إلى أسماعكم على نحو متكرّر في تصريحات الغربيّين ومقولاتهم السياسيّة أنّهم يتحدّثون عن القوات بالوكالة؛ يتّهمون الشعوب الشجاعة في المنطقة وشُبّانها الغيارى بأنّهم قوّات بالوكالة. أنا أودّ أن أقول: لا توجد في هذه المنطقة سوى قوّة واحدة بالوكالة، وهي الكيان الصهيوني الغاصب والفاسد. يعمل الكيان الصهيوني نيابة عن المستعمرين، فيُشعل نيران الحروب ويمارس الإبادة الجماعية ويرتكب الجرائم»[1]. في الوقت الذي يصف بعض قادة أمريكا والغرب فصائل المقاومة في هذه المنطقة على أنها «قوات إيران بالوكالة»، تُظهر الحقائق التاريخية أن المقاومة في غربي آسيا تمتد جذورها إلى ما هو أبعد من التطورات الأخيرة، بل تعود إلى ما قبل انتصار الثورة الإسلامية عام 1978 في إيران، وهي منبثقة من النضالات المناهضة للاستعمار والإمبريالية.

دائمًا ما شهدت هذه المنطقة، من نضالات أحمد عرابي في مصر إلى حركات المقاومة في فلسطين واليمن، وقوف الأحرار في وجه الظلم والاستبداد. إن ادعاءات الغرب بشأن علاقة الوكالة بين فصائل المقاومة وإيران ليست افتراءات باطلة فقط، بل هي محاولة لتحريف التاريخ والتغطية على حقيقة أن الكيان الصهيوني ليس سوى وكيل لمصالح المستعمرين الغربيين. لذلك، إن المقاومة في غربي آسيا تواصل مسيرة المناضلين الذين ناضلوا من أجل استقلال شعوبهم وحرّيتها، وسيستمر هذا النضال حتى تتحقق العدالة والحرية.

 

القسم الأول: تاريخ المقاومة ضد الاستعمار والإمبريالية

على مرّ التاريخ، كانت المقاومة ضد الاستعمار والإمبريالية ردّ فعل الأحرار الطبيعي في مواجهة الظلم والاستبداد. في كل بقعة من العالم، كلّما سعت دولة أو قوة إلى الهيمنة على الآخرين، نهضت قوى المقاومة للدفاع عن الاستقلال والحرية. لم تقتصر هذه النضالات على غربي آسيا فحسب، بل شهد العالم نماذج بارزة على حركات مقاومةٍ مناهضةٍ للاستعمار.

على سبيل المثال، في قارة أمريكا الجنوبية، يُعرف تشي غيفارا بوصفه رمزًا للنضال ضد الإمبريالية الأمريكية، إذ قاد مع فيدل كاسترو الثورة الكوبية وسعى إلى مواجهة النفوذ الأمريكي في المنطقة. في جنوب أفريقيا، تحمّل نيلسون مانديلا سنوات طويلة من السجن كونه قائدًا للمقاومة الداخلية ضد نظام الفصل العنصري، حتى حقق العدالة الاجتماعية والسياسية. في الجزائر، خاض العربي بن مهيدي نضالًا ضد الاستعمار الفرنسي، ما أدّى إلى نيل الجزائر استقلالها. أما في الهند، فقد قاد المهاتما غاندي نضالًا طويلًا ضد الاستعمار البريطاني، أدّى إلى استقلال البلاد.

تُظهر هذه النماذج أن المقاومة ضد الاستعمار والإمبريالية هي ظاهرة عالمية، فقد نهضَ الأحرار في كل حقبة تاريخية للدفاع عن حقوقهم وحقوق شعوبهم. لم تكن غربي آسيا استثناءً من هذه القاعدة، فقد شهدت دومًا نضالات مناهضة للاستعمار.

 

القسم الثاني: المقاومة في غربي آسيا قبل الثورة الإسلامية في إيران

وفقًا لما ذُكر آنفًا، اتهمت أمريكا فصائل المقاومة بأنها قوات إيران بالوكالة، في حين شهدت منطقة غربي آسيا قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، نشوء فصائل وحركات مقاومة ضد الاستعمار والإمبريالية. لقد قاومت هذه الفصائل والحركات نفوذ القوى الأجنبية مثل بريطانيا وأمريكا والكيان الصهيوني، وناضلت من أجل استقلال شعوبها وحريتها. في مصر، يُعدّ أحمد عرابي أحد رواد النضال ضد الاستعمار البريطاني، فقد قاد في أواخر القرن التاسع عشر، حركة ضد نفوذ بريطانيا في مصر مطالبًا باستقلال البلاد. كذلك «ثورة العشرين» في العراق عام 1920، عندما نهض الشعب العراقي احتجاجًا على احتلال بريطانيا لأراضيهم، وناضلوا من أجل استقلال بلادهم.

في فلسطين، بدأت حركات المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني في خمسينيات القرن العشرين وستينياته. في عام 1959، أُسّست «حركة فتح»، واحدة من أقدم الحركات الوطنية الفلسطينية، وشاركت في النضال المسلح ضد الكيان الصهيوني. كما أُسست «جبهة التحرير العربية» (ALF) في لبنان أواخر الستينيات، واستمرت في الكفاح ضد الاحتلال الصهيوني. في سوريا، كانت الجبهة الوطنية السورية تسعى إلى تحقيق الاستقلال عن النفوذ الخارجي ومكافحة الكيان الصهيوني.

هذه الفصائل والحركات هي دليل على أنّ المقاومة في غربي آسيا كانت موجودة قبل الثورة الإسلامية في إيران، ولها جذور في النضالات المناهضة للاستعمار والإمبريالية. الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، بخطها المناهض للإمبريالية ورفضها للظلم، كانت نموذجًا ناجحًا لحركات المقاومة. في الواقع، إن انتصار الثورة الإسلامية وتأسيس نظام الجمهورية الإسلامية، بوصفه حكومة إسلامية، خلقَ الظروف الملائمة لنمو حركات المقاومة وتوسّعها.

 

القسم الثالث: ادعاءات الغرب بشأن فصائل المقاومة ودور إيران

يقول قائد الثورة الإسلامية في خطابه في مناسبة عيد النوروز لعام 1404 هجري شمسي: «إنّ السياسيين الأمريكيين والأوروبيين وأمثالهم يرتكبون خطأً كبيرًا، إذ يطلقون على فصائل المقاومة في المنطقة اسم «قوات إيران بالوكالة»، فهم بذلك يهينونها. لكن ما معنى «قوات بالوكالة»؟ الشعب اليمني يمتلك دافعه الخاص، وحركات المقاومة وفصائلها في دول المنطقة تمتلك دافعها الخاص»[2]. كما ذكر قائد الثورة الإسلامية في خطاباته، في السنوات الأخيرة، ادعى قادة أمريكا وبعض الدول الغربية أن فصائل المقاومة في غربي آسيا، خاصة في لبنان والعراق واليمن وفلسطين، هي قوات إيران بالوكالة. تُطرح هذه الادعاءات في الوقت الذي يُظهر فيه تاريخ المقاومة في المنطقة أن هذه الفصائل لديها جذور في النضالات المناهضة للاستعمار والإمبريالية، وتسعى إلى تحقيق أهدافها المستقلة.

على سبيل المثال، في العراق، تمثل فصائل المقاومة الحالية استمرارًا لنضال المناضلين الذين قاوموا الاستعمار البريطاني في أوائل القرن العشرين. اليوم، تناضل هذه الفصائل ضد الوجود العسكري الأمريكي في العراق وتطالب بإنهاء النفوذ السياسي وإغلاق القواعد العسكرية الأجنبية في بلادهم. أما في اليمن، فإنّ «حركة أنصار الله» التي تناضل اليوم ضد جرائم الكيان الصهيوني في غزة وتضع أمريكا والكيان الصهيوني في موقف صعب في المنطقة، تواصل مسيرة الإمام يحيى حميد الدين، حاكم اليمن في عام 1948، الذي اعترض على مشروع تقسيم فلسطين.

إنّ توافق هذه القوى مع إيران ليس بسبب علاقة الوكالة، بل نتيجة الاشتراك في العقيدة والمعتقد والهدف المتمثل في النضال ضد الظلم والدفاع عن المظلومين؛ وهو هدف تشترك فيه شعوب المنطقة، أي أولئك الذين تصفهم جبهة الاستكبار الأمريكي - الأوروبي بوسم «قوات بالوكالة» المهين. هذا الموضوع واضح تمامًا في تاريخ هذه الشعوب في مقاومة الاستعمار والاستكبار. طبعًا، دعم الجمهورية الإسلامية لقوى المقاومة في المنطقة ضد الاعتداءات الأمريكية والصهيونية، كان وسيبقى دائمًا؛ وقد أكد قائد الثورة الإسلامية طوال سنوات وفي ظروف مختلفة هذه المبادئ الثابتة والهويتية الخاصة بالجمهورية الإسلامية: «إنّ الشعوب اليوم تعارض هذه الفظائع التي يرتكبها الكيان الصهيوني، إنها تعارضها حتمًا وتقاوم على النحو الذي تستطيعه، ويقاوم كلّ من يستطيع منها. الجمهورية الإسلامية واقفة بصلابة أيضًا في وجه هذه الغطرسات وهذه الفظائع، وقد أعلنّا مواقفنا بصراحة. نحن ندعم المناضلين الفلسطينيين واللبنانيين الذين يدافعون عن بلدهم، عن فلسطينهم، عن غزة وفلسطين. دائمًا ما كان هذا منهج الجمهورية الإسلامية»[3].

في الحقيقة، إن أمريكا والغرب، كما في عام 2003 عندما حصلوا على ذرائع هجومهم على العراق عبر خداع الرأي العام، يسعون اليوم عبر وسم فصائل المقاومة بـ«قوات إيران بالوكالة» إلى خداع الرأي العام العالمي مرة أخرى بشأن «إضفاء الشرعية على الممارسات اللاإنسانية التي يرتكبها الصهاينة»، ومن ناحية أخرى، تبرير القمع ضد فصائل المقاومة في منطقة غربي آسيا. بعبارة أخرى، مثلما يصف قادة الغرب أيّ تحركٍ احتجاجي وسلمي للأحرار في أنحاء العالم جميعها، حتى في بلدانهم، بأنه ضد السامية ومعادٍ لليهود، فإنهم في منطقة غربي آسيا يوسمون القوى المناهضة للاستعمار والإمبريالية بأنها «قوات إيران بالوكالة»، ويسعون إلى خلق فجوة بين هذه القوى وشعوبها، ثم التوجه نحو هجوم عسكري ضدها. هذا في حين أنّ شعوب المنطقة تعرف جيدًا أن نضال هذه القوى متجذّر في مطالبهم التاريخية والوطنية والدينية من أجل الاستقلال والحرية.

 

 


[1] https://arabic.khamenei.ir/news/9489

[2] https://arabic.khamenei.ir/news/9457

[3] https://arabic.khamenei.ir/news/9457