بسم الله الرحمن الرحيم، متابعينا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. تشهد المنطقة تطورات مهمة بعد الانتصار الكبير في عملية السابع من أكتوبر وبدء «طوفان الأقصى»، ومن ثم العدوان الصهيوني على قطاع غزة الذي استشهد فيه عدد كبير من أبناء قطاع غزة. بعد ذلك شهدنا في إطار «وحدة الساحات» تطورات مهمة من جانب قوى المقاومة ودولها في المنطقة. في هذا الإطار، رأينا أبناء شعب اليمن وفي إطار دعم أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة نفذوا عمليات مهمة أوجعت العدو الصهيوني وقطعت الحركة التجارية عبر البحر الأحمر باتجاه الكيان الصهيوني المحتل. كانت هذه العمليات من جانب القوات المسلحة اليمنية عمليات إستراتيجية جداً، فقد قطعت الشريان الاقتصادي والحيوي للكيان الصهيوني المحتل. في هذا الإطار، ولبحث هذه التطورات، نلتقي سعادة سفير جمهورية اليمن في جمهورية إيران الإسلامية، الأخ الأستاذ إبراهيم الديلمي. سعادة السفير، نرحب بكم، وبداية وفي أول سؤال: بعد مدة من بدء العدوان الصهيوني على قطاع غزة، رأينا أن القوات المسلحة اليمنية من أجل دعم الشعب الفلسطيني دخلت مباشرة في مواجهة العدو الصهيوني واستهدفت بالصواريخ ميناء أم الرشراش-«إيلات». ما السبب الذي جعل القوات المسلحة اليمنية تختار الدخول المباشر في ساحة القتال من أجل دعم الشعب اليمني؟

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وبسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى. في البداية، أرحب بكم أجمل ترحيب في سفارتنا في إيران، وأشيد بالجهود التي تبذلها قناتكم الكريمة وموقعكم الرائد المتحدث باسم الإمام الخامنئي، حفظه الله وأدام توفيقاته.

في البداية، دعني قبل الإجابة عن سؤالكم أشير إلى طبيعة الموقف اليمني المساند لغزة وهو ليس محصوراً في الجانب العسكري فقط. نحن انطلاقاً من مسؤوليتنا الأخلاقية والدينية والإنسانية لا نستطيع أمام حجم الجرائم الصهيونية بحق أبناء الشعب الفلسطيني أن نقف مكتوفي الأيدي، فكان التوجه منذ اللحظة والساعات الأولى لانطلاق «طوفان الأقصى» خروج المظاهرات المؤيدة وصدور البيانات الشعبية والرسمية والحزبية المؤيدة للعملية والمباركة لها.

عقب «طوفان الأقصى» وذلك الانتصار الكبير الذي حققته المقاومة الإسلامية في فلسطين، تبعه عدوان همجي غاشم قادته آلة الحرب الصهيونية بدعم واضح ومفتوح من دول الغرب الكافر كما هي مصطلحات الإمام الخميني - رضوان الله عليه - التي تشخّص في حقيقة الأمر طبيعة العدوان على أبناء الأمة العربية والإسلامية من هذا المنطلق الحقيقي والعقدي. هذا العدوان الذي انطلق وأمام هول الجرائم والعربدة الصهيونية وقتل عشرات الآلاف بلا حساب وبلا رقيب، ووسط صمت وتواطؤ من المؤسسات والمنظمات الدولية ودول العالم والدول العربية والإسلامية - للأسف الشديد - كان لزاماً علينا في الشعب اليمني أن نتحرك.

منذ الساعات الأولى، كما قلت لكم، انطلقت المظاهرات، وطالب الشعب اليمني القيادة والقوات المسلحة أداء واجبها الأخوي والإسلامي والأخلاقي والإنساني لإسناد أبناء فلسطين في مواجهة هذه العربدة. مضى اليمنيون في الخيار الأول الذي تمثل في تشكيل حملة لدعم الأقصى كان على عاتقها جمع التبرعات من المواطنين، ثم بعد ذلك الدعوة لفتح معسكرات الجيش من أجل تأهيل أبناء الشعب اليمني استعداداً لإسناد إخوانهم في غزة.

بعد ذلك صدرت القوانين الملزمة من مجلس النواب والحكومة اليمنية بمقاطعة البضائع الأمريكية والصهيونية ومنع تداولها في الأسواق اليمنية، وشطب الوكالات التجارية الأمريكية التي كانت قد حصلت على التراخيص من وزارة التجارة والصناعة في اليمن. تبع ذلك حملة إعلامية كبيرة جداً دشنها أبناء الشعب اليمني لإظهار مظلومية الشعب الفلسطيني والإشادة بتضحياتهم وبإنجازاتهم وبانتصاراتهم. ثم صدر القرار للقوات المسلحة اليمنية من رئيس الجمهورية، المشير مهدي المشاط، بعمل عسكري لإسناد أبناء فلسطين عطفاً على وبمباركة توجيهات السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي بوجوب الوقوف في هذه المعركة إلى جانب الشعب الفلسطيني بكل ما نستطيع.

بدأت العمليات بالاستهداف لأم الرشراش - اصطلح على تسميته ميناء «إيلات» - بالصواريخ والطائرات المسيرة، ثم تقرر العمل في البحر لمنع السفن المرتبطة بالكيان الصهيوني من الذهاب إلى فلسطين، لأنه مع استمرار الحصار والعدوان لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي كما قلت، ولا نسمح بتدفق البضائع إلى الكيان الصهيوني وإخواننا في فلسطين محرومون الغذاء والدواء، بشهادة المنظمات، والأمين العام للأمم المتحدة الذي وصل إلى حدود فلسطين في معبر رفح بين فلسطين ومصر طالب بإدخال الغذاء والدواء إلى غزة، ولكن ما من مجيب.

أضف إلى ذلك أننا بمثل هذا القرار نعتقد أننا ننفّذ مقررات القمة الإسلامية التي عقدت في جدة والتي طالبت بتحريم الحصار أو بكسر الحصار المفروض على أبناء غزة وبإدخال الغذاء والدواء. فنحن نعتقد أن مثل الضغط التي قامت عليه القوات المسلحة سوف يؤدي إلى السماح بتدفق المساعدات الإنسانية وفتح معبر رفح أمام المساعدات بطريقة أو بأخرى، وهذا ما تحقق بعد العمليات اليمنية، فشهدنا سماحاً - لو جزئياً - بوصول المساعدات الإنسانية عبر حاجز «كرم أبو سالم» وأيضاً عبر معبر رفح.

جاءت الخطوة الثانية على يد القوات المسلحة اليمنية باستهداف السفن التي تذهب إلى الكيان الصهيوني وليست بالضرورة سفناً إسرائيلية أو يملكها إسرائيليون، ولكن بعدما شددت القوات المسلحة اليمنية الحصار على الكيان الصهيوني ومنعت وصول البضائع إليه من شركات صهيونية أو غير صهيونية لكنها ذاهبة إلى موانئ فلسطين المحتلة، شكّل العدو الأمريكي تحالفاً مشبوهاً. هذا التحالف لا يضم أي دولة من الدول المشاطئة للبحر الأحمر وعنوانه: حماية الملاحة في البحر الأحمر، ولكن الملاحة في البحر الأحمر آمنة تماماً وكل السفن تمشي وتعبر فيه دون إشكالات وأيضاً في بحر العرب، إلا السفن الإسرائيلية أو التي تذهب إلى الكيان الصهيوني كما أسلفت. أما بقية السفن، فكانت بشهادة رئيس هيئة موانئ قناة السويس الذي أعلن أن التدفق طبيعي جداً بالنسبة إلى السفن وحركتها.

جراء ذلك اغتاظ الأمريكيون وشكلوا هذا التحالف المشبوه ليس لحماية البحر الأحمر وإنما لعسكرة البحر والوجود الأجنبي فيه، ولحماية الكيان الصهيوني ومنع القوات اليمنية من اجبها في إيقاف السفن الصهيونية التي تتجه إلى موانئ فلسطين المحتلة. هذا التحالف تحالف مشبوه وغير شرعي وغير قانوني، بدلالة أنه حتى الدول في مجلس الأمن الدولي مثل: روسيا والصين وغيرها أعلنت أن هذا مخالف للقانون الدولي وغير جائز، ولم يخول أحد القوات الأمريكية والبريطانية إنشاء مثل هذا التحالف.

بعد ذلك استهدفت القوات البريطانية والأمريكية اليمن، ودخلنا معها منذ ذلك اليوم - بعد استشهاد عشرة من أفراد القوات البحرية اليمنية أثناء أدائهم مهماتهم في تأمين الملاحة في البحر الأحمر - في حرب مفتوحة لا تزال مستمرة إلى الآن.

 هل ممكن القول إن الغربيين والولايات المتحدة هم الآن سبب زعزعة الأمن في البحر؟

بكل تأكيد، وأكبر دليل على أن الملاحة آمنة في البحر الأحمر هو أن أي دولة من الدول المشاطئة للبحر لم تنضم إلى هذا التحالف المشبوه، وأنا هنا أعني تحديداً مصر والسعودية والسودان وإريتريا وجيبوتي، فهذه الدول المشاطئة لم تنضم إلى التحالف لأنها تعرف أن الملاحة في الأحمر لا تشكّل تهديداً عليها إطلاقاً، ولا سبب لعسكرة البحر ووجود القطع الأجنبية فيه، الذي يخل بأمن الملاحة في البحرين الأحمر والعربي. أضف إلى ذلك دولة الصومال، فهي أيضاً من الدول المشاطئة للبحر الأحمر وبحر العرب.

هذه الدول متأكدة تماماً أنه ليس هناك أي إخلال بأمن الملاحة في البحر الأحمر ومسؤولية تأمين المياه الدولية في هذين البحرين على الدول المشاطئة التي ترى أن الوجود الأجنبي هو سبب التوتر.

لقد قلنا إن العمليات في البحر الأحمر لم تأتِ إلا من أجل إيقاف العدوان على غزة ورفع الحصار، فعندما يتوقف العدوان على غزة ويرفع الحصار، لكل حادث حديث. لكن الأمريكي يصر على إسناد الكيان الصهيوني ومساعدته والوقوف إلى جانبه حتى لو كان ذلك مضراً بالملاحة في البحر الأحمر أو سوف يؤدي إلى الإضرار بمصالح أمريكا وبريطانيا.

لأنه عملياً توقفت التجارة باتجاه العدو عبر البحر الأحمر؟

صحيح، نعم، توقفت بصورة كبير جداً نتيجة أداء القوات المسلحة اليمنية واجباتها كما أسلفت، ولكن نعود لنؤكد أننا لا نستهدف إلا السفن الإسرائيلية أو التي يملكها إسرائيليون أو المتوجهة إلى موانئ فلسطين المحتلة، فليس هناك ضرر ولا مساس بأي سفن أخرى. لكن الدخول الأمريكي والبريطاني على خط الأزمة واعتداءهم على اليمن أوجب على القوات المسلحة أيضاً استهداف السفن الأمريكية والبريطانية.

القوات المسلحة اليمنية أعلنت المرحلة الثانية من عملياتها ضد العدو الصهيوني في البحر الأحمر، فهي بداية كانت تستهدف السفن الصهيونية، وبعد ذلك أعلنت أنها ستستهدف السفن التي تتجه إلى الكيان الصهيوني المحتل، ورأينا أنها حققت هذا الموضوع والقوات المسلحة اليمنية نفذت هذا الإجراء. لماذا بدأت القوات المسلحة اليمنية هذه المرحلة وارتقاء العمليات إلى هذا النحو؟ وما التبعات والنتائج لهذا القرار الشجاع من جانب القوات المسلحة اليمنية في مواجهة العدو الصهيوني؟

في حقيقة الأمر وقبل العمليات في البحر الأحمر في هاتين المرحلتين، أصدرت القوات المسلحة البيانات التحذيرية، بمعنى أننا لم نفاجئ أحداً بعملياتنا في البحر، بل كان الأمر معلناً وبُثت التحذيرات مع تحديد طبيعة العمليات في البحر الأحمر وتشخيصها منذ اليوم الأول في المرحلة الأولى أو الثانية.

عندما انتقلنا إلى الثانية كنا نرى أن الإجراء المتمثل في حصار السفن الصهيونية أو التي يمتلكها صهاينة غير كافٍ، لأن "إسرائيل" لجأت إلى الشحن عبر شركات أخرى في محاولة للالتفاف على قرار القوات المسلحة مهاجمة السفن الصهيونية، فكان لا بد من مواكبة هذا الإجراء الذي يهدف إلى الالتفاف على قرار القوات المسلحة بإجراء آخر يتمثل في استهداف السفن الذاهبة إلى الموانئ الفلسطينية، وتحمل المؤن العسكرية أو المدنية إلى موانئ فلسطين المحتلة لدعم الكيان الصهيوني.

قبل مثل هذا العمل وقبل أن تبدأ القوات المسلحة الاستهداف، أصدرت بيانات تحذيرية وأعلنت للعالم كله وأبلغنا الأمم المتحدة عبر وزارة الخارجية في صنعاء وكل الدول المشاطئة للبحر الأحمر برسائل دبلوماسية أننا بصدد استهداف الكيان الصهيوني أو السفن الذاهبة إليه سواء أكانت إسرائيلية أم غير إسرائيلية. أضف إلى ذلك وضمن تبعات مثل هذا القرار أننا عندما دخلنا هذه المواجهة، كان هذا القرار كما قلت لكم في بداية المقابلة انطلاقاً من واجبنا ليس لا أكثر ولا أقل، ولكن نعتقد أيضاً أن مثل هذا القرار له تبعات وندفع الثمن عن طيب خاطر، لأننا قررنا في حملتنا دعم فلسطين وإسناد «طوفان الأقصى» في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس تحت عنوان: «لستم وحدكم». وقررنا أننا لن نترك الفلسطينيين ليعيشوا هذه المعاناة بل سنخوضها معهم. حقيقة لم يكن القرار متهوراً أو متسرعاً أو دون دراسة، بل درسنا الخيارات والاحتمالات والمخاطر وتوكلنا على الله.

رأينا أن الولايات المتحدة وبريطانيا ومن معهم، نفذوا من أجل دعم الكيان الصهيوني المؤقت اعتداءات عسكرية على مناطق عدة في اليمن خلال هذه المدة، وكان العدوان ضد أبناء الشعب اليمني، ولكن هذا العدوان لم يؤثر في حركة القوات المسلحة اليمنية وعملياتها حتى الآن، وإنما رفعت مستوى التوتر. بالنسبة إلى المقاومة اليمنية الآن، كيف تواجه هذا التوتر الذي اختلقته الولايات المتحدة؟

إننا نحشد الطاقات والإمكانات كافة في سبيل مواجهة هذا العدوان، وهو مفتوح، ونرى الآن أننا في حالة حرب مفتوحة ومعركة مباشرة مع العدو الأمريكي والبريطاني، وهما يستخدمان قوتهما كلها، ويحاولان بكل ما يستطيعان منذ اللحظة الأولى القضاء على القدرة اليمنية ومنعنا من استهداف السفن الصهيونية أو الذاهبة إلى الكيان الصهيوني، وهما مصممان على إضعاف القوة اليمنية وإنهائها، لكننا أيضاً مصرون على المضي في قرارنا وإنفاذه باتجاه منع السفن الإسرائيلية أو المرتبطة بالكيان الصهيوني أو المتوجهة إلى موانئ فلسطين من المرور في البحر الأحمر.

إذن، نحن الآن أمام صراع إرادات والمعركة مفتوحة، فلم تعد مسألة فعل ورد فعل لا من جانبنا ولا من جانب الأمريكيين إنما نحن الآن في مرحلة اشتباك مفتوح.

نظراً إلى تأكيدات الإمام الخامنئي وجوب أن تقطع الدول العربية أو الإسلامية شريان الحياة عن الكيان الصهيوني، كيف يمكن مثل هذا الإجراء، كما فعل أبناء الشعب اليمني؟ كذلك ما الطاقات في العالم الإسلامي في هذا المجال؟ وبالنسبة إلى الشعوب، كيف يمكن لها أن تضغط على الحكومات من أجل تحقيق ذلك؟

دعني أبتدئ بالسؤال الآخر: الشعوب الإسلامية أمام مسؤولية كبيرة جداً، وعليهم فعلها ولا عذر لهم إطلاقاً للجمود، لأن الوسائل المتاحة الآن للتحرك متعددة وكثيرة، مثل: مقاطعة البضائع الأمريكية والصهيونية والنشاط الإعلامي والخروج في التظاهرات والمسيرات والتعبير عن الغضب تجاه ما يحدث في فلسطين المحتلة والضغط على حكوماتهم من أجل اتخاذ قرارات واضحة ومحددة باتجاه قطع العلاقات الدبلوماسية أو الاقتصادية مع الكيان الصهيوني.

تأتي الدول العربية في المقام الأول والدول الإسلامية بعد ذلك خاصة في الموقع الجغرافي المهم سواء في البحر الأبيض المتوسط أو البحر الأحمر أو خليج عدن وبحر العرب وأيضاً في الخليج الفارسي. هذه الدول عليها مسؤولية كبيرة أمام الله - سبحانه - وأمام هذه المأساة التي يعيشها إخواننا أبناء فلسطين ممن يُمنع عنهم الغذاء والدواء وأبسط الحقوق وتجري إبادتهم جماعياً - مع الأسف الشديد - وسط هذا التفرج.

الإمام الخامنئي عندما أكد هذه المسألة هو حقيقة وضع الإصبع على جرح، بمعنى أن جمود الشعوب الإسلامية والحكومات الإسلامية والعربية عن واجبها هو ما يؤدي إلى إطالة أمد العدوان وأن يستفرد العدو الصهيوني بالشعب الفلسطيني، ولكن نحن نتحدث عن أنفسنا في هذه الجبهة المباركة التي نهضت ساحاتها المختلفة لأداء واجبها بما تستطيع.

لكن أين الآخرون؟ لماذا لا يؤدون واجبهم؟ نعتقد أن ساحة اليمن ولبنان والعراق والساحة السورية ومن خلفهم ساحة الجمهورية الإسلامية تقدم الكثير انطلاقاً من «وحدة الساحات» ومنع ترك الفلسطينيين ليستفرد بهم العدو الصهيوني. أقول بكل ثقة: إن جبهة المقاومة اليوم بمختلف ساحاتها ودولها والحركات المجاهدة والمقاومة فيها فعلت الشيء الكثير ومنعت العدو من تحقيق أهدافه التي كان يسعى إليها ولا يزال. كما أقول بكل ثقة: لم تكن الجبهة المباركة، جبهة الجهاد والمقاومة، بمثل هذا الانسجام والتنسيق العالي كما اليوم.

عانى الشعب اليمني من حصار اقتصادي وسنوات من العدوان على اليمن، ورغم ذلك نرى أنه منذ بداية العدوان الصهيوني على قطاع غزة وأبنائه دخلت القوات المسلحة اليمنية مباشرة في مواجهة العدو الصهيوني الظالم. إلى جانب ذلك، نرى أن هناك يومياً مسيرات كبيرة جداً ومليونية يقيمها أبناء الشعب اليمني دعماً للمقاومة الفلسطينية وكذلك حراك القوات المسلحة، فما سبب هذا الدعم الشعبي الكبير؟

 أعتقد أن هناك أسباباً متعددة يأتي على رأسها أننا نرى المسؤولية ملقاة على عاتقنا، وأن الوضع الطبيعي لأبناء الأمة الإسلامية أن يقوموا على هذا الدور، بل إن الوضع الشاذ والغريب هو الجمود وغياب أي فعل. هذا أولاً. الشيء الآخر: نعتقد أن المدرسة القرآنية التي أرسى مداميكها الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي في تعبئة الشعب اليمني لمواجهة الكيان الصهيوني والأمريكي كان لها سبب ودور كبير جداً. أضف إلى ذلك ثماني سنوات من العدوان على الشعب اليمني، فلا يزال الشعور بالقهر والألم والخذلان موجوداً عندنا، فلذلك ربما نكون - نحن اليمنيين - أكثر الشعوب العربية والإسلامية إحساساً وشعوراً بالمظلومية الفلسطينية، لأن مظلوميتنا لا تزال طرية أو حديثة العهد.

عندما واجهنا العدوان على مدى ثماني سنوات، أي العدوان السعودي-الأمريكي، شعرنا بحجم المأساة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني والخذلان من القريب والبعيد. ربما هذا أيضاً سبب رئيسي. أضف إلى ذلك أنه انطلاقاً من مسؤوليتنا الدينية والقرآنية الإمام زيد بن علي - عليه السلام - يقول: «والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت»، وعندما خفقت الرايات بين يديه في جهاده قال: «والله لقد استحييت من رسول الله أن ألقاه يوم القيامة ولم آمر في أمته بمعروف ولم أنهَ عن منكر».

أضف إلى ذلك أن القرآن يدفعنا إلى هذا، فالله - سبحانه وتعالى - يقول: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾، ويقول: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾، ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾،﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، والله - سبحانه وتعالى - يؤكد أن هذه مسؤولية على المسلمين أخذها وإلا سيكونون في محط محل مؤاخذة وسخط إلهي. إننا بصفتنا مسلمين نخاف من عذاب الله ومن سخطه ومن غضبه علينا، ونعتقد أن أي مسلم اليوم سمع منادياً ينادي: يا للمسلمين! ولم يجبه، فليس بمسلم، وبعدما سمعنا استغاثات الإخوة الفلسطينيين نساء ورجالاً وأسرى، كيف لا نتحرك ولا...

إننا نخاف من الله في المقام الأول على التفريط في مثل هذه المسؤولية لأننا نرى أنفسنا قبل أن نكون عسكريين أو سياسيين أو دبلوماسيين أننا مسلمون ومجاهدون، وأن العدوان الصهيوني-الأمريكي-الغربي تجاه الأمة العربية والإسلامية هو ذو بُعد عقدي في عقيدتهم الفاسدة التي يستهدفون بها كل المصلحين والمؤمنين والمرتبطين بالمشروع الإلهي العظيم.

بعض الحركات والجهات التي حاربت القوات المسلحة اليمنية واللجان الشعبية خلال السنوات الأخيرة رأينا كيف صار لها رؤية إيجابية تجاه ما فعلته الحكومة في صنعاء في دعم الشعب الفلسطيني ومواجهة العدو الصهيوني، فما سبب هذا الحدث وتغيير هذه الرؤية إلى إيجابية؟ وهل هذه الرؤية ستساعد أو ستستمر ونراها في ملفات أخرى؟

نعتقد أن الأحداث التي تعصف بالمنطقة وخاصة ما يحدث اليوم في فلسطين هي فرصة مناسبة لمراجعة كثير من الحسابات والرؤى والتصورات التي قد لا تكون صحيحة تجاه بعضنا بعضاً.

إضافة إلى سؤالكم السابق المتعلق بواجبات الحكومات والشعوب العربية والإسلامية، نسمع الآن من الكيان الصهيوني عبر مسؤوليه وعبر وسائل إعلامه تصريحات بأن هناك دولاً عربية وإسلامية تساعد، لكن لا علم لنا بمثل هذه الأمور. أعتقد أن على الدول العربية والإسلامية ألا تسكت ويجب أن تصدر بيانات تكذّب فيها ادعاءات الكيان الصهيوني ومسؤوليه، وإلا فإنها شريكة في مثل هذا العدوان على غزة. سمعنا حديثاً عن جسر بري يربط الإمارات مع السعودية بالكيان الصهيوني، فأدعو المسؤولين في هذه الدول إلى إعلان الموقف الواضح والرد على هذه الادعاءات وإلا ربما قد تكون صحيحة، وهذا ما ينبغي ألا يكون.

سعادة السفير، كنا نريد أن نسألك كيف يمكن منع هذه الدول من مثل هذه الإجراءات؟ الآن بعد وقف التجارة عبر البحر الأحمر نلاحظ حديثاً فتح طرق أخرى ومن بعض الدول الإسلامية لمساعدة الكيان الصهيوني...

الجميع أمام هذه المسؤولية يجب أن يتحدثوا. أعتقد أن الضغط الإعلامي والسياسي وفضح المتآمرين والمشاركين في العدوان على فلسطين كفيل بردعَ مثل هذه المواقف المشبوهة إذا كانت صحيحة. لكن إذا لم تكن صحيحة، فعلى الدول المعنية والموجّه إليها أصابع الاتهام أن تنفي هذه الاتهامات عن نفسها، وليس المساعدة بالبضائع فقط إنما أيضاً هناك حديث عن مساعدات وتسهيلات عسكرية وهذا ما لا يجوز. أعتقد أنه ينبغي ألا نسكت عن هذا، وهنا مسؤولية الإعلام والسياسيين في فضح مثل هذه المؤامرات التي قد يستسيغها بعضهم نتيجة غياب الحديث عنها. يجب أن نتحدث عنها ونرفع الصوت عالياً ونمنعها في مهدها.

أما نحن، فنرى أنه مهما قدمنا إلى فلسطين، فلا نزال مقصرين، ولذلك ينبغي لمن لم يفعل أي شيء ألا يذهب إلى الإجراء السلبي المتمثل في دعم الصهاينة بشكل أو بآخر، سواء عبر الدول المشاطئة للبحر المتوسط أو عبر بعض الدول العربية. ليس بالضرورة أن نسمّيها لكن العدو الصهيوني عبر وسائل إعلامه ومسؤوليه تحدث عنها، وهنا تجب مكاشفة الرأي العام بكل وضوح وعلى هذه الدول أن تصدر المواقف المناسبة.

سعادة السفير، لو تجيبونا عن الجهات في السؤال السابق؟

كما قلت لكم، نعتقد أن المرحلة مناسبة جداً لإعادة فتح صفحة جديدة في العلاقات العربية والإسلامية انطلاقاً من الواقع الذي أفرزته وتفرزه الأحداث اليوم في فلسطين. الحمد لله ربّ العالمين، نعتقد أن «طوفان الأقصى» جرفت كثيراً من الخطط والبرامج التي عمل عليها العدو الأمريكي والصهيوني في السابق لتفريق أبناء الأمة الإسلامية وإيجاد الخلافات ذات البعد الطائفي أو العرقي أو المناطقي أو القومي، فيجب أن نبني على الطوفان وما أحدثه من وحدة في القلوب بين أبناء الأمة الإسلامية للانطلاق إلى مستقبل أكثر تعاوناً واتحاداً في مواجهة المشاريع التي تستهدف الجميع.

مشروع التطبيع أثبت فشله، فها هو الكيان الصهيوني بكل وضوح عدو للأمة العربية والإسلامية جماعة وليس صديقاً لأحد ولا يمكن أن يخدم أحداً، وإنما بالعكس يستفيد أكثر من علاقاته مع بعض الدول العربية والإسلامية ويأخذ منها ولا يعطيها. إن توحش الكيان الصهيوني وإجرامه دليلان لكل ذي عينين للمراجعة ولإعادة تعريف فئاتنا وتصوراتنا المسبقة. إن شاء الله، نأمل أن تكون هذه المرحلة فاتحة خير لما بعدها.

ماذا عن المجموعات داخل اليمن؟

في الحالة اليمنية هناك مساعٍ من الأمم المتحدة ومسار وهدنة بيننا وبين السعودية والجماعات المرتبطة بها، وهناك اتفاق يجب أن ينجز. ثمة عرقلة يقوم عليها العدو الصهيوني والأمريكي بممارسة الضغط على الجمهورية اليمنية من أجل منع مرحلة الاستقرار.

نعتقد أن الإخوة والأفرقة اليمنيين - أصلحهم الله - ارتكبوا خطأ كبيراً بانضمامهم إلى تحالف عدوان مشبوه وما زالوا مصرين إلى اليوم بانضمامهم إلى الحملة الأمريكية-البريطانية التي شُنت على اليمن أخيراً ومباركتهم لها، فهم في موقع الخطأ والمسؤولية.

مثلاً السعودية لم تصدر بياناً ترحيبياً بالعدوان الأمريكي-البريطاني على اليمن لكن - مع الأسف - المرتزقة هم الذين أصدروا بياناً ترحيبياً بذلك، فلا مجال للحديث عن مجموعات يمنية مستقلة تملك قرارها لأن قرار الشعب اليمني هو المواجهة. ومن يقول لنا تفاوضوا مع هؤلاء المرتزقة كمن يطالب الجمهورية الإسلامية بالتفاهم مع جماعة «خلق»!

نعتقد أن الذي جرى بعد «طوفان الأقصى» كان مدعاة لمراجعة كثير من المواقف لدى بعض الأطراف والشخصيات في اليمن، التي كانت منضمة إلى تحالف العدوان، وبدأ كثيرون منهم يراجعون مواقفهم ويعودون إلى الصف الوطني والإسلامي و العربي المقاوم والمضاد للكيان الصهيوني ويشيدون بشكل أو بآخر بعمليات القوات المسلحة التي استهدفت الكيان الصهيوني. هذه المواقف والخطوات نشجع عليها وندعمها، وإن شاء الله يكون فيها مصلحة اليمن واليمنيين والمنطقة.

سعادة الأستاذ إبراهيم الديلمي، سفير الجمهورية اليمنية، نشكركم على هذه المقابلة، ونشكر متابعينا الكرام والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.